سياسة

الجزائر: لماذا تريد قيادة الجيش الإسراع في إنتخاب الرئيس

بعد محاولتين فاشلتين لانتخاب رئيس للجمهورية الجزائرية في 18 أفريل و 04 جويلية من هذا العام، تسعى قيادة الجيش مرة أخرى لدفع الشعب نحو الصناديق، في ظل تفجر ثورة شعبية، باهرة بسلميتها لكنها بدأت تأخذ طريقا عنوانه "الثورة المضادة" يشير إلى إجهاض أحد أبرز الثورات الشعبية في تاريخ الجزائر المستقلة، فلم تدم تحركات جانفي 2011 سوى أياما قليلة، لكنها أثمرت برفع حالة الطوارئ، لكن الحراك الجديد مستمر منذ سبعة أشهر، فلماذا تريد قيادة الجيش دفع الشعب للانتخاب، لأنها ببساطة تخاف من الحرية. 

الجزائر: عمر شابي

في سياق حرب غير معلنة بين قوى الحراك و قيادة الجيش، التي التف حولها قسم من الشعب، بدعوى الخوف على مصير البلاد و هو أمر لا يجد ما يبرره حقيقة على أرض الواقع، لكنه خوف حقيقي لدى السلطة الفعلية و هي قيادة الجيش، التي تريد بكل قوة إنهاء حالة الفوران الشعبي المتواصل منذ 22 فيفري دون إنقطاع، و الذي أعاد للجزائريات و الجزائريين صوتهم في الشارع، و أعطاهم للمرة الأولى منذ الاستقلال حقهم في مناقشة شؤونهم العامة يما بينهم كل جمعة و كل ثلاثاء و في مناسبات و تظاهرات أخرى للمطالبة بإطلاق سراح سجناء الرأي، و هل كان أحد يتصور تلاحم إسلاميين و شيوعيين (كطرفين نقيضين) و غيرهم لرفع نفس المطالب، هذا ما يثير الخوف لدى الممسكين بزمام القيادة في مؤسسة الجيش.

حينما يهتف المتظاهرون، "الجنرالات إلى المزبلة و الشعب يريد الإستقلال" ، بعدما غادر صفوفهم قسم من الحراكيين قبل أشهر بعدما ركنوا إلى الإيمان بما تفعله قيادة الجيش التي أسبغوا عليها فعل "المنجل" لتطهير البلاد من الفساد حيث تم الزج بأسماء بارزة في السجن، شملت كبار الأثرياء و رئيسين لحكومتين سابقتين و وزراء و متنفذين من طبقة "النومونكلاتورا" التي ظلت طيلة 20 سنة من حكم بوتفليقة تتحكم في الرقاب و الأرزاق، يصير التحكم في الوضع من خلال استراتيجية الاحتواء، أمرا مخيفا للسلطة الفعلية التي صارت تحكم بقوة الأمر الواقع.

لدى قيادة الجيش الكثير من الوسائل و المبررات المعقولة أحيانا و المبالغ فيها في أحايين، التي تجعلها تسوق مشروعها للعامة و تظهر فيها نبرة التخويف و الترهيب واضحة و هذا ليس غريبا عن ممارسات العسكر في كل مكان، لكن خوفها الحقيقي ليس من بقاء الجزائر بدون رئيس، بل من نضج الوعي الجمعي -الذي لا يزال في مرحلته الجنينية- لدى الشعب و إصراره على تقرير مصيره بنفسه، و يدل على ذلك اعتراف مؤسسة الجيش بأنها لن تكون صانعة الرؤساء بعد اليوم، وفق ما ورد في افتتاحية مجلة الجيش لعدد سبتمبر و هي اللسان الرسمي للمؤسسة العسكرية و يندرج ذلك في سياق محاولة الاحتواء من جديد و التي تصفها المؤسسة بأنها "مرافقة الجيش للشعب".

التخويف من خطر بقاء البلاد دون رئيس لفترة أطول لامبرر له، فقد مرت العهدة الرابعة للرئيس المخلوع عبد العزيز بوتفليقة و كأنه لم يكن و كان التحضير للعهدة خامسة جاريا، لولا صراعات العصب التي نزلت للشارع فجأة بتدبير خفي من الدولة العميقة، لكنها خرجت عن السيطرة و صارت عدوا حقيقيا للنظام. حقيقة لا تريد السلطة بحسب ما يستشف من تصريحاتها تكرار التجربة السيئة لعهدات بوتفليقة التي أضاعت 20 سنة من عمر الجزائريين، لكنها تخاف أن تخرج الأوضاع عن السيطرة حينما يسترجع الشعب حريته و يتوفر له الوقت الكافي و الوسائل المناسبة للتعبير لكي يتشارك بكل فئاته في "تقرير مصيره"، و من المهم التنبيه أن هتافات "الشعب يريد الاستقلال" التي برزت خلال الأسابيع الأخيرة مؤشر على تنامي هذا الوعي بفضل استمرار الحراك لستة أشهر.

المأزق الحقيقي الذي يواجهه الحراك و السلطة على حد سواء الآن في سياق التحضي لاستدعاء الهيئة الإنتخابية للمرة الثالثة في أقل من عام واحد، هو بالنسبة للحراك إيجاد سبل للحفاظ على جذوة الثورة مشتعلة و الإقناع بأن ما تحقق من منجزات غير كاف للعودة إلى البيوت أو التوجه نحو صناديق الانتخابات بسرعة، بالنسبة للسلطة إيجاد الوسائل و السبل التي تدفع في الاتجاه المعاكس أي القناعة بما تحقق و بناء القليل من الثقة التي تسمح لها بتمرير مخطط إنهاء حالة الفوران الشعبي و الحفاظ على النواة الصلبة للحكم بتقديم قرابين و الوعد بالتغيير على مذهبها، الذي يختلف حوله الفقهاء كثيرا.

عمر شابي 13 سبتمبر 2019

 

الجزائر: الإسلاميون يرتمون في أحضان العسكر نكاية في العلمانيين

استغلت سلطة الأمر الواقع في الجزائر ما تعرف من انقسامات عميقة بين الجزائريين، ساهمت مخابرها في هندستها و ترسيخها طيلة عقود، تحضيرا للالتفاف على ثورة الحراك الشعبي، التي فاجأتها قبل خمسة أشهر تقريبا، و جرت الإسلاميين إلى حضن المؤسسة العسكرية، موهمة إياهم بالانتقام لهم من خصومهم العلمانيين الذين حرموهم من حكم البلاد في بداية التسعينيات.

الجزائر: عمر شابي

بالمقابل لم يستطع السياسيون من كل الأطياف و التيارات و من أقصى اليمين إلى اليسار المتطرف أن يلحقوا بركب وعي الحراك الشعبي، و بقوا كل أسبوع ينتظرون مسيرات الجمعات المتتالية للتموقع، و إعادة إجترار ما ينطق به الشارع لكي يسوقوا لأنفسهم، و يقتطعوا مكانا لهم في ظل الجزائر الجديدة.

مع مرور الوقت بدأت ملامح التخندقات المتوالية تظهر للعيان، و معها برزت المطامح و المطامع لدى الجميع، و خاصة أنهم يرون الحراك الشعبي بقرة اليتامى التي يمكن لأي تاجر أوهام أن يقصد بها السوق مناديا، "هل تباع بقرة اليتامى؟" كما في القصة الشعبية المتوارثة لدى الأجيال التي تربت على حكايات الجدات.

تقول القصة أن بائع بقرة اليتامى، ظل يتردد على السوق، و في كل مرة يعود إلى زوجته و يخبرها أن كل الناس نصحوه بعدم بيع بقرة اليتامى، لأنها مصدر غذائهم و قوتهم الوحيد، و في المرة التالية تخفت الزوجة و قصدت السوق، و لما نادى المنادي هل يمكن بيع بقرة اليتامى، ردت عليه "بيع تربح"، فباعها لأجل صوت وحيد في السوق، أشار بغير ما كان يسمعه طيلة أسابيع.

لما حل الصيف الأكثر سخونة سياسيا في جزائر الحراك الشعبي، كانت الأنظار كلها متلهفة لسماع الصوت النشاز ببيع بقرة الحراك في سوق النخاسة السياسية، و زاد من تلهفهم شعورهم بأن الخصوم يتربصون للجلوس على مقعد الحكم و هو المكان الذي هيأته المؤسسة العسكرية، من خلال ترديد رئيس أركان الجيش الفريق أحمد قايد صالح بمناسبة و بدون مناسبة أنه زاهد في تولي المسؤولية السياسية بعد إزاحة من وصفهم بالعصابة، و الزج بخصومه في غياهب السجون.

أتقنت السلطة الفعلية اللعب على حبال الاختلاف و الفرقة، و أخرج الحاوي من تحت ردائه حيات و ثعابين، خيل إلى الجمهور المنبهر من سحر المخابر العميقة أنها تسعى، فهرب منها مرتميا في أحضان الساحر العليم، و هكذا تفرق دم الحراك الشعبي الذي كان يعد بمستقبل جديد للبلاد بين القبائل، و صار حلم صيانة وحدتها و مقدراتها و حفظ مستقبل شبابها محل صراعات حول قضايا لا تكاد تنتهي بداية بالراية الأمازيغية وصولا إلى اللغتين الفرنسية  و الإنكليزية و فيما بينها المجلس التأسيسي أو المرحلة الإنتقالية، ثم منتدى الحوار الوطني، مرورا بالنوفمبرية الباديسية و الحرب المزعومة على الهيمنة الفرنسية.

كانت مسيرات ذكرى يوم الإستقلال، باهرة و فيها استعاد الحراك الشعبي قوته و عنفوانه، لكن أصواتا من الطرف الآخر الذي كان يتربص بالمستقبل، ظلت بعيدة، لأنها تعتقد أنها أنهت الصفقة مع قيادة الجيش لكي تسلمها مقاليد الحكم بهدوء و عن طواعية، تكفيرا عن ذنب إيقاف المسار الانتخابي في بداية التسعينات.

هي ذاتها الأصوات و القوى التي نكثت عهد الحراك الشعبي منذ أسابيع بدعاوى عدم جدوى التظاهر، بعد تلبيه الجيش للمطالب و سجن رؤوس الفساد و هي ذاتها الأصوات و القوى التي سيكتب التاريخ أنها خانت الجزائريين مرة أخرى، و تخلت عنهم، لكنها تناست أن الحراك زرع البذرة عميقا في النفوس، و سيأتي اليوم الذي يخرج زرعه في أبهى تجلياته ليغيض الكفار بعظمة إرادة الشعب.

عمر شابي

  09 جويلية 2019

---------------------------------------

الجزائر: الجيش يحسم مصير بوتفليقة و الحراك يريد التغيير الجذري

 

مرة أخرى بسبب الوضع السياسي الناشز في الجزائر، يحسم الجيش الموقف، لكن بنصف حل لتفادي التغييرات العنيفة، و يعلن على لسان رئيس الأركان الفريق أحمد قايد صالح أن على الرئيس بوتفليقة بعد عشرين سنة من الحكم الفردي، التنحي بسبب عجزه عن الاستمرار في إدارة شؤون البلاد، لكن الحراك الشعبي الذي عرفته الجزائر طيلة شهر و نيف يواصل الضغط و لا يقبل بأنصاف الحلول التي اقترحتها رئاسة الأركان، و يراها البعض محاولة لخنق الحراك الشعبي، و ستكون مسيرات الجمعة المقبلة حاسمة حقا في تقرير مصير "ثورة الإبتسامة" التي صارت ظاهرة للتغيير السلمي الهادىء في كامل منطقة الشرق الأوسط و شمال أفريقيا.

 

الجزائر: نسرين.ب

 

قوبلت دعوة رئيس أركان الجيش الفريق أحمد قايد صالح بتفعيل المادة 102 من الدستور التي تؤدي إلى الإعلان عن عجز الرئيس عن أداء مهامه و ترسيم حالة الشغور، في البداية بكثير من الرضى و الإبتهاج في مواقع التواصل الاجتماعي التي تعتبر المرحك الاساسي للحراك الشعبي، تماما مثلما قوبل قرار رئيس الجمهورية بالتخلي عن طلب عهدة خامسة، و كان ذلك إيذانا باسترجاع الشعب لسيادته على القرار السياسي.

 

لكن بعد فترة وجيزة من الإنتشاء بتحقيق غاية عزل الرئيس المريض، صار موقف الجيش، الذي يتغير تدريجيا بحسب ميزان القوى بين الشارع و السلطة، محل تساؤلات و وصفه عدد من نشطاء الحراك أنه "نصف إنتصار" و هو الوصف الذي أطلق على قرار التخلي عن العهدة الخامسة، لتستمر سياسة "خذ و طالب" و تبدأ التحضيرات لمسيرات الجمعة السادسة من الحراك الشعبي، الذي يسميه البعض "ثورة الإبتسامة"، بتقديم اقتراحات للشعارات و الهاتافات التي سترفع خلالها، و هي في الحقيقة مطالب في حوار بين طرفين ميدانه الشارع لا الصالونات و لا الطاولات و لا حتى المكلفين بترويج بعض السيناريوهات على بلاطوهات التلفزيونات العمومية التي انفتحت أخيرا أو الخاصة، التي تلعب دور المسهل في إبراز المتحاورين.

 

رد الشارع على اقتراحات قايد صالح بتفعيل المادة 102 كان "قايد صالح رايح رايح، أدي معاك بن صالح" أن أن رئيس أركان الجيش في حد ذاته جزء من النظام الذي يطالب الحراك الشعبي برحيله، و يجب أن يذهب هو الآخر، كما أن فكرته في صلب مسار العمل بالأسلوب الدستوري، الذي يرضي جميع الأطراف حسب نص التصريح الوارد في بيان وزارة الدفاع الوطني من أجل الخروج من الأزمة، تقتضي أن يتولى رئيس مجلس الأمة (الغرفة العليا في البرلمان) عبد القادر بن صالح، مهام رئيس الدولة بعد إثبات حالة العجز و تقرير المجلس الدستوري لحالة الشغور عن طريق ثلثي أعضاء البرلمان.

 

و بعد أقل من أربع و عشرين ساعة من صدور تصريح الجيش، و إقتراحه للحل الدستوري الذي يضمن الإستقرار لمؤسسات الدولة، إقترح التجمع الوطني الديمقراطي (أرندي) على رئيس الجمهورية المنتهية ولايته الاستقالة، كوسيلة تدفع إلى الدخول في مرحلة انتقالية، يتم بعدها الشروع في مشاورات لتشكيل هيئة رئاسية جديدة مهمتها الرئيسية تنظيم الإنتخابات.

 

و قبل الأرندي و هو من أحزاب السلطة المغضوب عليها، يرأسه الوزير الاول السابق أحمد أويحيى، كانت جبهة القوى الإشتراكية(أفافاس) قد اعتبرت أن دعوة رئيس أركان الجيش أحمد قايد صالح مناورة تريد من خلالها المؤسسة العسكرية "التلاعب بإرادة الشعب" و تظهر تدخلها في المسار السياسي، وأعلن الحزب المعارض التاريخي الذي أسسه الراحل حسين آيت أحمد، أن "الشعب يطالب بتغيير النظام و ليس التغيير داخل النظام"، و رافع مجددا من أجل "جمعية تأسيسية"، لأن التغيير لن يكون بنفس "أدوات النظام" الذي خرج الملايين من المتظاهرين يطالبون برحيله و بالتغيير الجذري، حسب البيان الصادر عن قيادة جبهة القوى الإشتراكية مساء أمس الثلاثاء، الذي وصف خطوة الجيش بأنها "ضربة عنف أخرى ضد الإرادة الشعبية، و على مطالب الشعب المشروعة، أي رحيل النظام و رجاله و ليس فقط رئيس الدولة"، مبرزا أن الجيش يريد خنق الحراك الشعبي و السماح للنظام بأن يتجدد.

و مع التطورات المتسارعة على الساحة و في الميدان، يصير من الصعب التكهن بمآلات الحراك الشعبي و بالسقف الأخير للمطالب التي يرفعها المتظاهرون، و ما هي الإجراءات المطلوبة لكي تبدأ المرحلة الجديدة من الحياة السياسية، و هنا يرى البعض أن انسحاب كافة رموز السلطة من المسؤولين من المشهد السياسي و تقديم وجوه جديدة ذات مصداقية يمكن أن يكون تمهيدا للجمهورية الثانية، لكن هل ترك النظام البوتفليقي و زبائنه من الأحزاب و الأجهزة في الساحة السياسية شخصا يمكن الوثوق به؟

نسرين.ب

 

27 مارس 2019

 



الجزائر: بوتفليقة يشل حركة خصومه بقرارات اللحظات الأخيرة

كانت مناورات رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة هذه المرة ناجحة أيضا، حيث شل الرئيس حركة خصومه، بقرارات اللحظات الأخيرة، و يواصل نفس اللعبة السياسية بتأجيل الإعلان عن ترشحه لعهدة خامسة، حتى اللحظات الأخيرة من المهلة المحددة قانونا.

الجزائر: عمر شابي

كان الإعلان عن تحديد موعد إجراء الانتخابات الرئاسية، الأكثر أهمية في تاريخ الجزائر المستقلة، بحسب العديد من المراقبين بيوم 18 أفريل المقبل، مفجاة للطبقة السياسية التي بقيت طيلة أشهر تمضغ كلاما، كان بعضه من صناعة كواليس السلطة، حول التأجيل المحتمل للانتخابات و عقد ندوة وفاق وطني، و ندوة توافق، و هي المناورات التي ألهت الطبقة السياسية عن الاستعداد لخوض انتخابات لا يعلم محترفو السياسة أنفسهم أنها ستكون في موعدها.

الشلل الذي أصاب المعارضة و حتى قسما من أحزاب الموالاة، من الذين يتموقعون بعيدا عن الدائرة الضيقة لصناعة القرار و التي إزدادت ضيقا بحكم الظروف غير الطبيعية الراهنة، كان في خدمة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الذي لا يريد سوى أن يخلف نفسه، و لا يرى أحدا من المقربين إليه جديرا بالجلوس على كرسي الرئاسة مكانه.

كان عامل الوقت في غير صالح بوتفليقة، الذي استعاض عنه بعامل التوقيت، ما دامت كل القرارات تصدر عن رئاسة الجمهورية بخصوص الاستحقاق الإنتخابي القادم، فحافظ على التكتم و هو القليل الظهور طيلة العهدة الرئاسية الرابعة التي فاز بها و هو على كرسي متحرك، و لم يشارك مطلقا في حملتها الإنتخابية، و تدثر بالغموض حول مصيره السياسي بنهايتها، موحيا إلى البعض بالترويج للتأجيل، و للبعض الآخر بأنه لن يدخل السباق مرة جديدة، و وسط كل ذلك اللغط كانت التحضيرات جارية لتحديد موعد الإنتخابات و ترشيح الرئيس بوتفليقة لخلافة نفسه، دون اعتبار للمتسابقين الذين سيلعبون دور الأرانب و الوصفان.

هل سيكون بوتفليقة مرشحا أوحدا للرئاسيات، و قد بدأ عهده وحيدا بعد انسحاب المترشحين الستة للانتخابات الرئاسية التي جاءت به رئيسا للجمهورية قبل عشرين سنة، و فيهم من أساطين السياسة، حسين آيت أحمد، جلول خطيب ، أحمد طالب الإبراهيمي، مولود حمروش و عبد الله جاب الله و مقداد سيفي رئيس الحكومة وقتها، منهم من رحل و ترك بوتفليقة رئيسا و منهم من خلد إلى تقاعد طويل الأمد لا أمل له في خوض غمار المنافسة من جديد.

بعد عشرين سنة سيجد بوتفليقة نفسه، شبه وحيد في انتخابات رئاسية تفتح له باب العهدة الخامسة، فأحد المقربين منه سابقا علي بن فليس كان مديرا لحملته الانتخابية في أول عهدة، انقلب عليه بعدها و خرج للمعارضة، و أعلن أنه لن يترشح إذا ترشح بوتفليقة، و مولود حمروش لن يقبل بلعب دور الأرنب لبوتفليقة، و إذا ترشح بوتفليقة و سيفعل فلا مكان لحمروش في السباق.

منافسو بوتفليقة اليوم ليسوا من حجم خصومه الأوائل، و أغلبهم قضى جل مساره السياسي تحت حكمه الطويل الأمد، منهم عبد الرزاق مقري، الذي سيترشح لدور جديد، بعدما روج بقوة لمبادرة التوافق، داعيا إلى تأجيل الرئاسيات لفترة عامين، و الجنرال المتقاعد علي غديري الوجه الجديد الذي صنع لنفسه صورة العسكري المستنير، بدعوته قائد أركان الجيش إلى إحترام الدستور و عدم تأجيل الانتخابات، و هو ما كان، و لكنه تلقى ردا عنيفا من وزارة الدفاع الوطني و من قائد الأركان، الذي اتهمه بأنه يتحرك بإيعاز من دوائر خفية، و بوحي من "رهط" لا يعلمون مقدار ما حققه الجيش تحت قيادة الرئيس بوتفليقة.

لم تتضح قدرة الجنرال غديري مدير المستخدمين السابق بوزارة الدفاع على جمع العدد المطلوب من التوقيعات ليكون ترشحه رسميا، و هو نفس المشكل الذي سيواجه حتما كلا من فتحي غراس مترشح الحركة الديمقراطية الإجتماعية (شيوعي)، الذي كان أول من أعلن عن نيته في التقدم لخوض منافسة رئاسيات 2019، و كذا رشيد نكاز رجل الأعمال المثير للجدل، الذي لم يتمكن من الترشح في الرئاسيات الأخيرة بسبب ضياع مفاجىء أصاب استمارات ترشحه التي قدمها للمجلس الدستوري. ربما يكون هناك مترشحون آخرون، لكن الصورة الأوضح هي أن بوتفليقة بدأ رحلته رئيسا للجمهورية وحيدا و سينهيها كما بدأها أول مرة.

عمر شابي

 

<p class="MsoNormal" style="mso-margin-top-alt: auto; mso-margin-bottom-alt: auto; text-align: right;

الإتــجاهات

الحراك الشعبي : الحل الذي صار مشكلة


بمرور الأسابيع و الشهور، تحول الحراك الشعبي السلمي الذي أنهى حلم العهدة الخامسة للرئيس عبد العزيز بوتفليقة، من حل سحري وضع حدا لهيمنة عصبة البوتفليقيين على مقاليد السلطة لعقدين من الزمن إلى مشكلة، تؤرق السلطة الحالية التي تسعى بكل جهدها لإيجاد رئيس للبلاد، كبديل شكلي لعبد القادر بن صالح. 

الجزائر: عمر شابي

الحراك الشعبي السلمي، تطور على مدار عشرة أشهر تقريبا، ليطرح مسائل و قضايا لم تعد تعبر عنها شعاراته الأولى "ماكانش الخامسة يا بوتفليقة، جيبو البياري و زيدو الصاعقة"، فصارت مدنية الدولة و إنهاء هيمنة الجيش على مقاليد الحكم، رغم أن قيادات المؤسسة العسكرية ما فتئوا يكررون القول بأن عهد صناعة الرؤساء قد ولى.

الحراك الذي أسقط العهدة الخامسة و أجهض انتخابات الـ 18 أفريل، و بعدها انتخابات الرابع جويلية، وجد نفسه أمام انتخابات 12 ديسمبر المقررة من قبل السلطات نفسها التي طالب الملايين من الجزائريين برحيلها عن المشهد السياسي، بل الاكثر من ذلك أن وزيرين أولين في حكومات بوتفليقة المتعاقبة على مدار العشرين سنة الماضية يجدان نفسيهما من بين أفضل المرشحين لخلافة عبد القادر بن صالح، الرئيس السابق لمجلس الأمة الذي منحته فتوى غريبة من المجلس الدستوري تمديدا لمهمته الإنتقالية الأولى، "إلى غاية إنتخاب رئيس للبلاد".

البحث في العوامل و الأسباب التي انتهجتها السلطات للالتفاف على مطالب الحراك، ليس مجديا الآن، فقد تم شق صفوف الحراك طيلة أشهر الصيف الماضي باختلاق خلافات و صراعات و فئويات، تدثرت بغطاء "الهويات القاتلة"، لتنتقل الصراعات التي أخرجت الملايين للشوارع من معاداة أسلوب نظام الحكم القائم، منذ 57 سنة إلى عداوات فيما بين الحراكيين أنفسهم فتفرق شملهم و ذهبت ريحهم، و بقي منهم الصابرون الصامدون الذين لا يرجون من الحراك مغنما و لا يخافون من قول الحقيقة مغرما.

مشكلة الحراك الذي كان حلا، مطروحة بحدة على طاولة نظام الحكم، الذي يريد تغييرا شكليا في واجهة السلطة المدنية و إيجاد بديل لعبد القادر بن صالح، يجلس في قصر المرادية بإرادة سلطة الأمر الواقع، بينما العشرات من المنتفضين ضد "سلطة الكادر" و عبدة الصنم في غياهب السجون. و من المفارقات السياسية العجيبة أن الذين مهدوا الطريق لرئيس الجمهورية القادم يوجدون في الزنازين، بينما "سعيد الحظ" سيرفل في النشوة بحمل لقب "رئيس الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية".

الحراك الشعبي صار يطالب اليوم بالحرية، بمفهومها الواسع المجرد، و هو مطلب يسمو على التغيير الشكلي الذي يريده النظام القائم، و هنا تتجلى الفجوة الكبيرة بين أبناء الشعب البسطاء الذين يحلمون بدولة القانون و الحريات تصون فيها كرامتهم قوانين تطبق على الجميع، و بين طبقة سياسوية، علاقاتها مشبوهة و سلوكاتها منبوذة، ظلت طيلة أشهر عشر من الثورة الشعبية تتحين الفرصة للإنقضاض على الفريسة.

لم يسمع الكثيرون التحذير الذي أطلقته المجاهدة الإيقونة جميلة بوحيرد في الأسابيع الأولى من ثورة الإبتسامة، حينما حذرت الشباب من سرقة ثورتهم منهم، مثلما سرق آخرون قبل اليوم ثورتها منها و من أبناء جيلها ومن أجيال متعاقبة أخرى.

عمر شابي  19 نوفمبر 2019

----------------------------------------------------------
05 أكتوبر 1988، الثورة و الثورة المضادة

مرت ثلاثون عاما على أحداث 05 أكتوبر1988، التي هزت الجزائر لكنها صارت مع الوقت ذكرى حزينة لمئات أفراد عائلات الضحايا، و بدأت تتلاشى طموحات الشبان الجزائريين الذين حلموا يومها بصناعة غد مشرق لهم في بلدهم، بفعل الثورة المضادة التي هاجم من خلالها المتنفذون و الرافضون للتغيير ذلك العنفوان الذي تفجر في أكتوبر قبل ثلاثة عقود.

الجزائر: عمر شابـي

كانت الطموحات التي حملها شباب الجزائر قبل ثلاثين عاما، بداية حقيقية لمطالب التغيير قبل 23 سنة من الربيع العربي، و لكن النسبة الغالبة من شبان و شابات الجزائر لا يعرفون اليوم شيئا عما جرى في خريف الغضب، الذي جعل سلطان الحزب الواحد المهيمن بالفساد و البيروقراطية يترنح، لكنه كان من القوة بحيث استجمع قواه و لم يسقط، و انتظر بدهاء انحسار الموجة ليعود مجددا من خلال الثورة المضادة.

لكن صريحين، و لنقل الحقيقة، لأن في ذلك سبيل للحفاظ على كياننا و وجودنا، لقد فشلت حركة الشباب في أكتوبر 1988، مثلما فشلت قبلها انتفاضة شباب قسنطينة في نوفمبر  1986، لأن الحركة الشعبية التي ظهرت إلى السطح من خلال تعابير عن الغضب و الاستياء من سلوكات و ممارسات السلطة الحاكمة في كلا الحالتين، لم تكن قادرة على إعطاء تلك الفورات من الغضب عمقا شعبيا و لم تجد كيفية مواصلة المطالبة بالتغيير، بينما سعت السلطة بكل وسائلها من التلاعب بالمطالب و التعتيم على الأحداث، إلى غاية القمع البوليسي المباشر بالقتل و الاعتقال و النفي إلى تمتين قواها و العودة من خلال ثورة مضادة يقوم بها زبانية النظام أنفسهم، لأن في بقائه استمرار لنفوذهم و في سقوطه نهاية لهم.

التلاعب بدأ بالقول أن المتظاهرين في أكتوبر 1988 في العاصمة كانوا لا يريدون الحرية و الديمقراطية، بل رفعوا كيس السميد بدل العلم الوطني، تعبيرا عن حاجاتهم الاجتماعية، و تلك حقيقة، كانت ردا على سياسات الأفالان الحزب الواحد الحاكم وقتها، التي جعلت الحصول على لتر الزيت و علبة الطماطم منذ منتصف الثمانينات حلما للكثير من الجزائريين، و كانت تلك التصرفات ترجمة لتراكم الحنق الشعبي و الغضب من تلك السياسات الفاسدة، التي كان لها في انخفاض أسعار البترول وقتها مبررا على لسان السلطة، لكنها لم تكن بالمرة مبررات مقنعة لدى عامة الشعب الذي كان يرى كيف يستأثر أبناء المتنفذين و المقربين من المسؤولين في كل المستويات بخيرات البلاد و يعيشون حياة الرخاء بينما السواد الأعظم من الجزائريين لا يجدون وقتا للاصطفاف في طوابير للحصول على المواد الغذائية الأساسية من دقيق و زيت و سكر و طماطم. هذه الخلفية هي التي فجرت غضب أكتوبر في العاصمة و جعلت المتظاهرين يرفعون كيس السميد بدل العلم الوطني، و يخربون مقرات الأروقة الجزائرية، و هي المتاجر الرسمية التي تديرها الدولة لتوزيع المواد الواسعة الاستهلاك، لأنها كانت عنوانا لشقائهم. ردت السلطة بالقوة و أطلقت النار على المتظاهرين فسقط منهم 120 قتيلا حسب وزارة الدفاع الوطني، و بلغ عدد القتلى 500 شخص حسب الحقوقيين.

أطلقت الدولة البوليسية العنان لآلة القمع، وسلطت أبشع صنوف التعذيب على ا

الأخبار

Trends

من هم العرب الأكثرسعادة؟

يكشف مؤشر السعادة العالمي عن ترتيب سكان عدد من الدول العربية خلال الفترة ما بين سنتي   2015 و 2017، حيث كان للرفاهية المادية تأثير واضح على سعادة بعض الشعوب، من حيث إرتفاع مستوى دخل الفرد في بعض الدول، حيث جاءت الإمارات و قطر و السعودية و البحرين و الكويت و ليبيا في ترتيب أفضل من الجزائر، التي كانت متبوعة بالمغرب و لبنان و الأردن و الصومال.

بينما جاء ترتيب فلسطين أحسن من تونس و العراق و مصر و السودان و سوريا و اليمن.

 كما سجل المؤشر أهمية عناصر أخرى في جعل الناس سعداء في دول عربية مختلفة منها توفر الرعاية الإجتماعية و معدل عمر الفرد و كذا درجة السخاء و الكرم لدى البعض، كما أن من محددات نقص سعادة البعض استشراء الفساد و الحياة القاسية لشعوب تنعم بلدانها بخيرات لا حصر لها و تتوفر على طاقات بشرية كبيرة معطلة في غالب الأحيان و على ثروات طبيعية هائلة، لا يزال جزء كبير منها يصنع رفاهية شعوب دول أخرى.

 

Actual

30 pays Africains sur 50 ratifient le Protocole sur la libre circulation des Personnes

30 African state out of 50 signed treaty for free Movement ProtocolPeople circulation

 ثلاثون دولة افريقية فقط من مجموع خمسين بلدا وقعت بروتوكول حرية تنقل الأشخاص

في وقت يتحدث الساسة عن أهمية التكامل و الاندماج الأفريقي إقتصاديا، وقعت ثلاثون دولة فقط من مجموع خمسين بلدا على بروتوكول حرية تنقل الأشخاص.
و كانت حجة الدول التي لم توقع و من بينها الجزائر و تونس و مصر و المغرب و ليبيا أنها تسعى لمحاربة ظاهرة الهجرة غير القانونية. كما رفضت دول مثل أثيوبيا و ناميبيا و بوتسوانا و زامبيا التوقيع على بروتوكول حرية تنقل الأشخاص، الذي وقعته غالبية دول الساحل و غرب أفريقيا.

و يمثل الإتفاق الموقع في العاصمة الرواندية كيغالي قبل يومين حول تعزيز تكامل بلدان أفريقيا إقتصاديا رهانا كبيرا لدول القارة التي تمثل إقتصادياتها سوقا بحوالي مليار مستهلك يبلغ حجم مبادلاتها ثلاثة آلاف مليار دولار أمريكي.

الرهان الكبير كان حول حرية تنقل الأشخاص باعتبار الموضوع من صميم عمليات التكامل الإقتصادي، لكن دولا عديدة تمارس نفس السياسة التي تنتهجها حيالها دول الضفة الشمالية من المتوسط ، ضمن نطاق الإتحاد الأوروبي التي تريد شراكات إقتصادية مع الدول الأفريقية لكنها تضع عقبات كبيرة و متنوعة أمام حرية مواطني تلك البلدان في التنقل.


الجزائر: رحيل قايد صالح لن يغير من عقيدة الجيش

كانت لعبة القدر العامل البارز في مسيرة الفريق أحمد قايد صالح الرجل القوي في النظام الجزائري، الذي توفي صباح اليوم إثر سكتة قلبية، فمسيرة الرجل كانت على الدوام من صناعة الأقدار التي ينسجها غيره. لكن رحيله المثير للجدل حاليا لن يغير شيئا في عقيدة الجيش الجزائري، الذي يبقى المؤسسة الحامية لكيان الدولة، و لنظام الحكم الذي يواجه ثورة شعبية غير مسبوقة. 

الجزائر: عمر شابي

 لم يكن أحد ينتظر قبل 14 سنة أن يتولى قايد صالح قيادة أركان الجيش، بعد عزل الفريق محمد العماري الذي توفي هو الآخر بسكتة قلبية في صحراء بسكرة، بعد خروجه إلى التقاعد في عملية تصفية قام بها بوتفليقة مع بداية عهدته الثانية، كان وقتها الفريق محمد مدين (توفيق) يتربع على العرش سلطانا دون منازع، و كان التخلص من محمد العماري، تغييرا لحجر على رقعة شطرنج القيادات النافذة في النظام، و لكن بوتفليقة كان داهية، عرف أن قائد جهاز المخابرات الذي يعرف بلقب "رب دزاير" غير مستعد للتفريط في وجاهته و لن يترك العرش بسهولة، فاستغل إزاحة العماري ليزعج صانع الرؤساء، و استقدم أحمد قايد صالح قائد القوات البرية من صندوق منسي، بينما كان حلم هذا الأخير لا يتجاوز الخروج المريح للتقاعد.

علم بوتفليقة أن الفريق توفيق قائد المخابرات لا يستسيغ رؤية قايد صالح، فوضعه في خانة مقابلة، يزعج به ولي نعمته، بينما صار الرئيس الذي يرفض أن يكون ثلاثة أرباع ولي نعمة قائد الأركان الجديد، لقد وضع بوتفليقة كل حيلته في اللعب على الخصومات بين كبار مسؤولي المؤسسة العسكرية، التي انتقم منها لأنها حرمته من خلافة هواري بومدين عام 1979، و اختارت بإيعاز من قائد المخابرات وقتها قاصدي مرباح و بتدبير من العربي بلخير، الرجل الأقدم و الأعلى رتبة في الجيش ليكون الرئيس الثالث للجزائر المستقلة.

إقترب بوتفليقة من أحمد قايد صالح، لأنه يعرف أن السيطرة عليه سهلة، بل أوحى له أن خصومه في الجيش يستعدون للتضحية به، بينما يسارع هو لإنقاذه من مخالبهم، و يرفعه إلى درجة عليا لم يكن يحلم بها يوما، و صنعت الأقدار و الدسائس مجد قائد أركان الجيش، الذي قسمت وفاته اليوم الجزائريين بشكل غير مسبوق، دليلا على هبوب رياح التغيير التي لا يريد العسكر أن تكون عاتية لتجرفهم.

لم يسبق أن عبر الجزائريون علنا عن موقفهم الرافض لسلطة العسكر مثلما يفعلون منذ 10 أشهر، في الشوارع و الساحات العامة، حيث كان الفريق أحمد قايد صالح للمرة الأولى في تاريخ البلاد محط انتقادات لاذعة بلغت أحيانا في تعابيرها حد الشتم و التخوين و السباب اللا أخلاقي.

بعض المواقف الرافضة لسلطة و هيمنة العسكر على الحياة السياسية لها جذور في أدبيات المعارضة السياسية الجزائرية، التي تستنكر استيلاء جيش الحدود على السلطة بعد الاستقلال، و بعضها الآخر من صناعة معارضة أكثر حداثة ترى أن الجيش وقف ضد إرادة الشعب عندما ألغى المسار الإنتخابي فيبداية التسعينات، حينما كان الإسلاميون  قاب قوسين او أدنى من الإستيلاء على الحكم من خلال صناديق الإنتخابات في تشريعيات 26 ديسمبر 1991، و كلا المعارضتين موجودتان في شارع الحراك، يجمعها العداء لـ"بني أمية"، وفق المقولة المأثورة من التاريخ الإسلامي.

كان الحراك الشعبي الذي تفجر في 22 فيفري 2019 فرصة ذهبية ساقتها الأقدار مرة أخرى إلى قايد صالح الذي استثمر طيلة الصائفة التي سبقتها في قضية قناطير الكوكايين و شرع في حملة تطهير واسعة مست كبار الجنرالات، و ما تخلف عن كوكايين "كمال البوشي" (المتهم الرئيسي في القضية الذي ينتظر محاكمته) تم تحييده بفعل الحراك، حين رفض الشعب فكرة العهدة الخامسة للرئيس بوتفليقة، و كان التدبير في الخفاء يجري لجعلها تمديدا قصير الأمد، بعد بروز معارضة لدى كبار الضباط و خاصة الذين تعرضوا للتهميش بفعل قضية "الكوكايين" التي برزت في أواخر ماي 2018.

منحت الأقدار لقايد صالح فرصة أخرى ليلبس ثوبا جديدا، و صار موقفه الأول الذي وصف فيه شبان الحراك بـ"المغرر بهم" في خطاب بمدينة تمنراست، وصمة عار، سارع لمحوها بفرض رحيل ولي نعمته بوتفليقة، و استغل خطأ خصومه في الرئاسة الذين حاولوا عزله و تحييده، ليكسب إلى صفه قوى الحراك المتفجرة في الشارع، و تعهد بحماية المتظاهرين و بعدم إراقة قطرة دم واحدة، معلنا أن الجيش يقف في صف الشعب ضد عصابة الرئاسة، كانت تلك "العصابة" قد وجهت أوامر بعزل قايد صالح و تعيين سعيد باي المسجون حاليا، بعد سجنه مرة أولى في قضية "الكوكايين"، ثم الإفراج عنه مؤقتا، استعدادا لجعله خليفة قايد صالح في رئاسة الأركان. و كانت تلك المناورة من المقربين من قايد صالح طوق النجاة للنظام الذي كان يترنح.

بفضل مجموعة من المخلصين و الأوفياء في هرم المؤسسة العسكرية، استعاد الفريق أحمد قايد صالح الكثير من السلطات، بل صار الرجل القوي في النظام مع استقالة بوتفليقة مكرها، و بدأت عملية التوجيه الذكي لمسار الحراك، التي أشرفت عليها قيادات عسكرية متمرسة في فن "الإحتواء" و فرض قايد صالح أجندة سياسية، تم الإعلان عنها أول مرة نهاية أوت الماضي، بتوجيهه طلبا للرئيس المؤقت عبد القادر بن صالح ليستدعي الهيئة الناخبة في يوم 15 سبتمبر حتى يكون للجزائر رئيس منتخب قبل نهاية العام مثلما أخبر الوزير الأول نور الدين بدوي رئيس نيجيريا الجنرال محمد بوهاري، في لقاء بينهما على هامش قمة اليابان أفريقيا مع نهاية الصيف.

بوجود من يسميهم الفريق أحمد قايد صالح "العصابة" في السجن و هم قائدا جهاز المخابرات السابقين توفيق و طرطاق، و معهما سعيد بوتفليقة شقيق الرئيس المعزول، و عدد من قيادات المؤسسة العسكرية السابقين على رأسهم سعيد باي و جبار مهنا، و بقاء آخرين في سجل الهاربين من العدالة و من أبرزهم أيضا وزير الدفاع السابق خالد نزار، خلا الجو للفريق أحمد قايد صالح لكي يوجه سفينة الجزائر حيث يشاء، فأختار رئيسا مدنيا، عبد المجيد تبون المنتخب يوم 12 ديسمبر و الذي قلده وسام الاستحقاق يوم تنصيبه الخميس الماضي، لكنه لم يختر يوم رحيله بعدما امتد به العمر 79 عاما قضى جزءها الأكبر في قيادة سلاح المدرعات ضمن القوات البرية، التي وضع سعيد شنقريحة قائد الأركان بالنيابة على رأسها و كأنه يعين خليفته. رحيل أحمد قايد صالح، قبل 20 يوما من احتفاله بعيد ميلاده الثمانين، لن يغير شيئا من عقيدة الجيش و لا من دوره، لأن المجموعة الصغيرة من كبار الضباط التي كانت تحيط به تمسك هذه المرة بزمام الأمور بقوة و حصافة، و تعرف جيدا كيف تتعامل مع المتغيرات على الساحتين الوطنية و الدولية، بتعزيز الجبهة الداخلية الموالية و إبراز العضلات متى دعت الضرورة لبناء تحالفات جيو استراتيجية بعيدة المدى، و سوف يكون اسم قائد أركان الجيش الوطني الشعبي الجديد مؤشرا على التحول الهادئ في مؤسسة ظلت لعقود مركزا لصناعة القرار في أكبر بلد أفريقي.

عمر شابي

Phone : 0773 18 43 09
E-mail : This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.

Atlas Times أطـلـس تـايمز

Journal Electronique Algerien, Edite par: EURL Atlas News Corp. R.C: 18B0071953-00-25