تونس: بين قيس بلا هوية و قروي يضع رجلا في قصر قرطاج

أعلنت اللجنة الانتخابية التونسية اليوم أنها سمحت لنبيل قروي المسجون منذ 23 أوت بالمشاركة في المناظرة التلفزيونية في مواجهة قيس سعيد المترشح الأوفر حظا و الفائز بالأغلبية من الأصوات في الدور الأول و الذي حظي بدعم مرشح حركة النهضة الإسلامية عبد الفتاح مورو، ليكون الصراع على أشده بين قيس بلا هوية أيديولوجية واضحة بخلاف الخطاب الشعبوي الجديد المتناغم مع الطبقات الوسطى و الخارج عن سلطة الساحل المهيمنة على السياسية في تونس منذ استقلالها، و بين قروي سجين يمنح فرصة أخيرة للسواحلية لكي يتشبثوا بحكم قرطاج. 

 

في هذه المقالة يقدم الدكتور وليد عبد الحي قراءته للوضع السياسي في تونس كمدرسة للديمقراطيات الناشئة بعد تعثر ثورات الربيع العربي و حدوث ثورات مضادة في غالبيتها نقدمها لقراء أطلس تايمز كمحاولة للفهم.

 

 من جانب آخر، فان دور المؤسسة العسكرية في السياسة التونسية يكاد أن يكون هو الأقل بين الدول العربية، ورغم الدور الذي لعبته هذه المؤسسة في الضغط على بن علي لمغادرة كرسي السلطة، لكن حجم هذا الدور لا يتوازى مع دور المؤسسات العسكرية العربية الأخرى لا سيما في الدول العربية المركزية.

 

وثمة بعد آخر هو حجم وبنية الطبقة الوسطى في المجتمع التونسي، فهي من بين الدول العربية الاعلى في نسب التعليم والأكبر حجما في الطبقة الوسطى، وهو ما يؤهلها طبقا لفرضيات علم الاجتماع السياسي لتحولات تسبق غيرها من المجتمعات العربية الثاوية في القرون الوسطى. إن تحليل النتائج الأولية للانتخابات الرئاسية في تونس ، في ضوء الخلفية السابقة ، تستوجب التنبه لما يلي:

 

: 1- أن نسب المرشحين الثلاثة الأقوى ( قيس سعيد، ونبيل القروي، وعبد الفتاح مورو) مجتمعة لم تبلغ ال 50%، ( 19-15-13 على التوالي)، وهو ما يعني ضعف القوى الشعبية للفائز في الجولة الثانية، بخاصة إذا وضعنا في الاعتبار نسبية حجم المشاركة في الانتخابات، فالفائز الأول ( قيس سعيد) فاز بحوالي 19 % من مشاركة أقل من نصف من لهم حق الانتخاب

 

. 2- أن أيا من المترشحين لا ينتمي للمؤسسة العسكرية، بل يبدو أن ايا منهم ليس على صلة بهذه المؤسسة، وهو أمر يعزز " عزلة نسبية" لهذه المؤسسة عن صنع القرار الاستراتيجي للدولة، مع الأخذ في الاعتبار ان تونس لم يحكمها عسكري منذ استقلالها

 

. 3- من الضروري التنبه الى ان صلاحيات رئيس الجمهورية في الدستور التونسي(الفصل 72- الفصل 88) هي صلاحيات تقيدها ضرورات التشاور مع رئيس الوزراء ومع البرلمان، وهو ما يعني أنها ليست مطلقة

 

 . 4- مكانة الدين في الانتخابات: تمثل النسبة التي حصلت عليها حركة النهضة حوالي 11-12%، مؤشرا يقرع الجرس لكل الأحزاب الدينية في الدول العربية( وهو ما نبهت له في دراسات سابقة لي منذ اكثر من 25 سنة) ، غير ان بعض التلميحات عن صلة "ما" بين قيس سعيد (الفائز الأعلى أصواتا) و بين حزب التحرير الاسلامي تستوجب بعض الحذر في الاستنتاج السابق، ورغم استهجان قيس سعيد هذا الربط بينة وبين رضا بلحاج الناطق السابق باسم حزب التحرير الاسلامي، فان بعض مواقفه يتكئ عليها البعض لدعم هذه الحجة مثل موقفه الرافض المساواة بين الرجل والمرأة في الإرث، واقتباساته الكثيرة من التراث بل ولغته المقعرة، لكن مدير حملته الانتخابية " رضا شهاب المكي" من أصول يسارية ، فهو من مؤسسي حزب الوطنيين الديمقراطيين (الذي كان يقوده شكري بلعيد)، وهو ما يعني ان الرجل ليس منغلقا على أي تيار، كما أن خلفيته الأكاديمية وبخاصة تخصصه في القانون الدستوري والقانون الدولي يجعله منحازا للقوانين أكثر من انحيازه لآيديولوجيات معينة، بل ان رفضه معونة الدولة للمترشحين ورفضه قبول أي مساعدة من أيه جهة مؤشر على عدم دقة ما يريد خصومه لصقه به

 

. 5- أن يفوز في المرتبة الثانية مترشح مسجون(نبيل القروي) بتهم مالية وتبييض أموال هو أمر يستحق التأمل، فطالما ان القضاء لم يصدر حكمه في الموضوع فالمتهم برئ حتى تثبت ادانته، وهي نقطة لصالح المسار الديمقراطي في تونس

 

. 6- عند العودة للبرامج الانتخابية للمترشحين يتبين الطغيان شبه التام للقضايا الداخلية على القضايا الخارجية، فالقضايا العربية في الخليج او العلاقة مع ايران او الموقف من فلسطين او سياسات الدول الكبرى في المنطقة ...الخ تكاد ان تكون مختفية، وتبدو قضايا المغرب العربي أكثر وضوحا من قضايا المشرق ، ويبدو ان تونس ستكون معنية أولا –اذا فاز قيس سعيد- بترتيب علاقاتها المغاربية أولا لكنها قد تواجه بعض التوتر مع فرنسا بشكل أولي

 

. 7- إن فوز قيس سعيد في المرحلة الثانية للوصول الى قصر قرطاج يطرح اشكالية محددة وهي علاقاته بالبرلمان الذي سيتالف من قوى حزبية ، بينما ليس للرئيس كتلة حزبية تسانده داخل البرلمان، وهو ما يعني أنه سيكون متحررا من قيود أي حزب من ناحية ، ولكنه قد يفشل في تمرير بعض سياساته التي تستوجب موافقة اغلبية البرلمان نتيجة نفس السبب من ناحية ثانية. لكن كل ما سبق لا يجب ان يحجب احتمالات " المفاجأة" من هنا او هناك، ففي مجتمعات ايقاع الفوضى فيها أقوى من ايقاع " الانتظام" يكون احتمالات المفاجأ اكبر، رغم ان تونس هي الافضل بين الدول العربية في ايقاع الانتظام، فمثلا ماذا لو حكم القضاء على نبيل القروي بالادانة..يبقى قيس سعيد قريبا من الفوز في ضوء نتائج الجولة الأولى ..وماذا لو تبرأ القروي وفاز..ان تونس بين مرشحين : احدهما لا تعرف هويته السياسية ,رغم وضوح هويته الثقافية، . و آخر مسجون ينتظر القرار ولا ندري أمذنب هو أم بريء؟...

بقلم الدكتور وليد عبد الحي

Phone : 0773 18 43 09
E-mail : This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.

Atlas Times أطـلـس تـايمز

Journal Electronique Algerien, Edite par: EURL Atlas News Corp. R.C: 18B0071953-00-25