الجزائر: رحيل قايد صالح لن يغير من عقيدة الجيش

كانت لعبة القدر العامل البارز في مسيرة الفريق أحمد قايد صالح الرجل القوي في النظام الجزائري، الذي توفي صباح اليوم إثر سكتة قلبية، فمسيرة الرجل كانت على الدوام من صناعة الأقدار التي ينسجها غيره. لكن رحيله المثير للجدل حاليا لن يغير شيئا في عقيدة الجيش الجزائري، الذي يبقى المؤسسة الحامية لكيان الدولة، و لنظام الحكم الذي يواجه ثورة شعبية غير مسبوقة. 

الجزائر: عمر شابي

 لم يكن أحد ينتظر قبل 14 سنة أن يتولى قايد صالح قيادة أركان الجيش، بعد عزل الفريق محمد العماري الذي توفي هو الآخر بسكتة قلبية في صحراء بسكرة، بعد خروجه إلى التقاعد في عملية تصفية قام بها بوتفليقة مع بداية عهدته الثانية، كان وقتها الفريق محمد مدين (توفيق) يتربع على العرش سلطانا دون منازع، و كان التخلص من محمد العماري، تغييرا لحجر على رقعة شطرنج القيادات النافذة في النظام، و لكن بوتفليقة كان داهية، عرف أن قائد جهاز المخابرات الذي يعرف بلقب "رب دزاير" غير مستعد للتفريط في وجاهته و لن يترك العرش بسهولة، فاستغل إزاحة العماري ليزعج صانع الرؤساء، و استقدم أحمد قايد صالح قائد القوات البرية من صندوق منسي، بينما كان حلم هذا الأخير لا يتجاوز الخروج المريح للتقاعد.

علم بوتفليقة أن الفريق توفيق قائد المخابرات لا يستسيغ رؤية قايد صالح، فوضعه في خانة مقابلة، يزعج به ولي نعمته، بينما صار الرئيس الذي يرفض أن يكون ثلاثة أرباع ولي نعمة قائد الأركان الجديد، لقد وضع بوتفليقة كل حيلته في اللعب على الخصومات بين كبار مسؤولي المؤسسة العسكرية، التي انتقم منها لأنها حرمته من خلافة هواري بومدين عام 1979، و اختارت بإيعاز من قائد المخابرات وقتها قاصدي مرباح و بتدبير من العربي بلخير، الرجل الأقدم و الأعلى رتبة في الجيش ليكون الرئيس الثالث للجزائر المستقلة.

إقترب بوتفليقة من أحمد قايد صالح، لأنه يعرف أن السيطرة عليه سهلة، بل أوحى له أن خصومه في الجيش يستعدون للتضحية به، بينما يسارع هو لإنقاذه من مخالبهم، و يرفعه إلى درجة عليا لم يكن يحلم بها يوما، و صنعت الأقدار و الدسائس مجد قائد أركان الجيش، الذي قسمت وفاته اليوم الجزائريين بشكل غير مسبوق، دليلا على هبوب رياح التغيير التي لا يريد العسكر أن تكون عاتية لتجرفهم.

لم يسبق أن عبر الجزائريون علنا عن موقفهم الرافض لسلطة العسكر مثلما يفعلون منذ 10 أشهر، في الشوارع و الساحات العامة، حيث كان الفريق أحمد قايد صالح للمرة الأولى في تاريخ البلاد محط انتقادات لاذعة بلغت أحيانا في تعابيرها حد الشتم و التخوين و السباب اللا أخلاقي.

بعض المواقف الرافضة لسلطة و هيمنة العسكر على الحياة السياسية لها جذور في أدبيات المعارضة السياسية الجزائرية، التي تستنكر استيلاء جيش الحدود على السلطة بعد الاستقلال، و بعضها الآخر من صناعة معارضة أكثر حداثة ترى أن الجيش وقف ضد إرادة الشعب عندما ألغى المسار الإنتخابي فيبداية التسعينات، حينما كان الإسلاميون  قاب قوسين او أدنى من الإستيلاء على الحكم من خلال صناديق الإنتخابات في تشريعيات 26 ديسمبر 1991، و كلا المعارضتين موجودتان في شارع الحراك، يجمعها العداء لـ"بني أمية"، وفق المقولة المأثورة من التاريخ الإسلامي.

كان الحراك الشعبي الذي تفجر في 22 فيفري 2019 فرصة ذهبية ساقتها الأقدار مرة أخرى إلى قايد صالح الذي استثمر طيلة الصائفة التي سبقتها في قضية قناطير الكوكايين و شرع في حملة تطهير واسعة مست كبار الجنرالات، و ما تخلف عن كوكايين "كمال البوشي" (المتهم الرئيسي في القضية الذي ينتظر محاكمته) تم تحييده بفعل الحراك، حين رفض الشعب فكرة العهدة الخامسة للرئيس بوتفليقة، و كان التدبير في الخفاء يجري لجعلها تمديدا قصير الأمد، بعد بروز معارضة لدى كبار الضباط و خاصة الذين تعرضوا للتهميش بفعل قضية "الكوكايين" التي برزت في أواخر ماي 2018.

منحت الأقدار لقايد صالح فرصة أخرى ليلبس ثوبا جديدا، و صار موقفه الأول الذي وصف فيه شبان الحراك بـ"المغرر بهم" في خطاب بمدينة تمنراست، وصمة عار، سارع لمحوها بفرض رحيل ولي نعمته بوتفليقة، و استغل خطأ خصومه في الرئاسة الذين حاولوا عزله و تحييده، ليكسب إلى صفه قوى الحراك المتفجرة في الشارع، و تعهد بحماية المتظاهرين و بعدم إراقة قطرة دم واحدة، معلنا أن الجيش يقف في صف الشعب ضد عصابة الرئاسة، كانت تلك "العصابة" قد وجهت أوامر بعزل قايد صالح و تعيين سعيد باي المسجون حاليا، بعد سجنه مرة أولى في قضية "الكوكايين"، ثم الإفراج عنه مؤقتا، استعدادا لجعله خليفة قايد صالح في رئاسة الأركان. و كانت تلك المناورة من المقربين من قايد صالح طوق النجاة للنظام الذي كان يترنح.

بفضل مجموعة من المخلصين و الأوفياء في هرم المؤسسة العسكرية، استعاد الفريق أحمد قايد صالح الكثير من السلطات، بل صار الرجل القوي في النظام مع استقالة بوتفليقة مكرها، و بدأت عملية التوجيه الذكي لمسار الحراك، التي أشرفت عليها قيادات عسكرية متمرسة في فن "الإحتواء" و فرض قايد صالح أجندة سياسية، تم الإعلان عنها أول مرة نهاية أوت الماضي، بتوجيهه طلبا للرئيس المؤقت عبد القادر بن صالح ليستدعي الهيئة الناخبة في يوم 15 سبتمبر حتى يكون للجزائر رئيس منتخب قبل نهاية العام مثلما أخبر الوزير الأول نور الدين بدوي رئيس نيجيريا الجنرال محمد بوهاري، في لقاء بينهما على هامش قمة اليابان أفريقيا مع نهاية الصيف.

بوجود من يسميهم الفريق أحمد قايد صالح "العصابة" في السجن و هم قائدا جهاز المخابرات السابقين توفيق و طرطاق، و معهما سعيد بوتفليقة شقيق الرئيس المعزول، و عدد من قيادات المؤسسة العسكرية السابقين على رأسهم سعيد باي و جبار مهنا، و بقاء آخرين في سجل الهاربين من العدالة و من أبرزهم أيضا وزير الدفاع السابق خالد نزار، خلا الجو للفريق أحمد قايد صالح لكي يوجه سفينة الجزائر حيث يشاء، فأختار رئيسا مدنيا، عبد المجيد تبون المنتخب يوم 12 ديسمبر و الذي قلده وسام الاستحقاق يوم تنصيبه الخميس الماضي، لكنه لم يختر يوم رحيله بعدما امتد به العمر 79 عاما قضى جزءها الأكبر في قيادة سلاح المدرعات ضمن القوات البرية، التي وضع سعيد شنقريحة قائد الأركان بالنيابة على رأسها و كأنه يعين خليفته. رحيل أحمد قايد صالح، قبل 20 يوما من احتفاله بعيد ميلاده الثمانين، لن يغير شيئا من عقيدة الجيش و لا من دوره، لأن المجموعة الصغيرة من كبار الضباط التي كانت تحيط به تمسك هذه المرة بزمام الأمور بقوة و حصافة، و تعرف جيدا كيف تتعامل مع المتغيرات على الساحتين الوطنية و الدولية، بتعزيز الجبهة الداخلية الموالية و إبراز العضلات متى دعت الضرورة لبناء تحالفات جيو استراتيجية بعيدة المدى، و سوف يكون اسم قائد أركان الجيش الوطني الشعبي الجديد مؤشرا على التحول الهادئ في مؤسسة ظلت لعقود مركزا لصناعة القرار في أكبر بلد أفريقي.

عمر شابي

Phone : 0773 18 43 09
E-mail : This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.

Atlas Times أطـلـس تـايمز

Journal Electronique Algerien, Edite par: EURL Atlas News Corp. R.C: 18B0071953-00-25

Adress: 39; Rue Aouati Mostapha Constantine Algerie DZ Algeria