Articles

الجزائر: كيف اكتسب الشعب وعيا سياسيا جديدا فجر الحراك في الشارع

كيف اكتسب الجزائريون و الجزائريات في لحظة فارقة وعيا جديدا؟ جعلهم منذ بداية الحراك الشعبي الذي بدأ  في 22 فيفري، يتظاهرون بالملايين في الساحات و الشوارع عبر كل المدن و القرى، مطالبين بتغيير النظام و بإسترجاع الشعب لسيادته و سلطته في اختيار من يقود البلاد. الكثيرون يرون أن الوعي "المفاجىء" الذي عبر عنه ملايين المواطنين بمثابة الفرصة الذهبية لتحقيق الجزائر نقلة نوعية نحو مرحلة جديدة في تاريخها، لكن بعض المشككين لا يزالون ينظرون بعين الريبة لما يحدث على الساحة من زخم، ساد الاعتقاد لفترات طويلة أن الجزائريات و الجزائريين غير مؤهلين و لا قادرين على القيام به، نطرح في هذه المساهمة أفكارا عن الوعي و كيف ينشأ، في محاولة للفهم...

الوعي .... هذه الكلمة الرنانة التي أصبحت في الآونة الأخيرة تدل على مدى تقدم المجتمعات الإنسانية، فكلما زاد وعي المجتمع، كلما زاد مقياس رقيه وتحضره، فأصبحت المجتمعات لا تقاس فقط بمقياس النمو الاقتصادي و الرفاهية المعيشية، وإنما بدرجة الوعي والادراك لمجمل الظواهر الاجتماعية التي تكون النظام الاجتماعي العام و مدى التفاعل الإيجابي والسلبي معها.

 مساهمة حرة بقلم: سامية مرزوقي



والوعي رديف للعقل والادراك إن لم نقل إن العقل يشمل الوعي والادراك، والادراك سابق للوعي، فالتطرق لموضوع الوعي يستلزم منا الإشارة السريعة الى بعض المصطلحات:

01/ العقل: هو قدرة الانسان على الادراك والتمييز والتقييم والتصور والتفكير، كما ينعكس أيضا مفهوم العقل على الأحاسيس والعواطف والذاكرة والرغبات والدوافع والخيارات وصولا الى الوعي واتخاذ القرارات (01).

02/ الإدراك: هو عملية عقلية معرفية نضفي فيها معنى ومغزى ودلالة على ما تنقله إلينا حواسنا وإحساسنا من معلومات حسية، فالإدراك في الأساس مفهوم ذو ارتباط ملموس، أي أن له دلالة ذات تعبير جسدي. مثلا أنت مدرك لحقيقة أن استهلاك كمية مفرطة من السكر أو الكربوهيدرات، قد يقودك إلى السمنة وداء السكري وإلى أي أمراض أخرى ممكنة. أيضا أنت مدرك أن أي خيار تتخذه أو أي فعل تمارسه قد يكون له تأثير بالغ فيك وعلى أحباءك. (02)

03/ الوعي: هو الحالة العقلية العتي يتم من خلالها إدراك الواقع والحقائق التي تجري من حولنا من خلال اتصال الانسان مع المحيط الذي يعيش فيه واحتكاكه به مما سيسهم في خلق حالة من الوعي لديه بكل المور التي تجري وتحدث من حوله، مما يجعله أكثر قدرة على إجراء المقاربات والمقارنات من منظوره هو وبالتالي سيصبح أكثر قدرة على اتخاذ القرارات التي تخص المجالات والقضايا المختلفة التي تطرأ له.

هذا من جهة ومن جهة أخرى، الوعي هو المحصول الفكري الذي ينضوي عليه عقل الانسان بالإضافة الى وجهات النظر المختلفة التي تحتوي عليها هذا العقل والتي تتعلق بالمفاهيم المختلفة التي تتمحور حول القضايا الحياتية والمعيشية. (03)

صناعة الوعي:

ما يشهده العالم اليوم من تقدم علمي إنما هو نتاج رحلة – عقل الانسان-الحضارية عبر التاريخ الإنساني، تجسد في مراحل حضارية مضيئة ولامعة، نقلت الانسان أشواطا الى الأمام، فمن الثورة الزراعية في العصور الأولى للإنسانية الى الثورة الصناعية في القرون الوسطى، الى ما بعد المجتمع الصناعي في القرون الحديثة، الى مجتمع المعلومات ومجتمع المعرفة الذي يتواصل الآن كشوط حضاري يبدو أنه بغير انتهاء.

فمن المنتوج الزراعي الى الصناعة الأولية الى الصناعات التحويلية والصناعات الثقيلة الى صناعة المعلومة وصناعة الفكر.

فالمجتمع الإنساني يقف في العصر الحالي على عتبات صناعة المعرفة وتحويل الفكر الى صناعة، فمن يملك المعلومة والمعرفة يملك كل ثروات العالم، ومن هنا جاءت فكرة إمكانية صناعة الوعي باعتباره منتوج فكري بشري، وقد أثبتت الدراسات الاجتماعية أنهيمكن التحكم في الوعي والادراك من خلال التحكم في الآليات التي تنتج الوعي.

فالوعي هو نتاج للعقل البشري وبالتالي فهو منتوج اجتماعي، يؤثر ويتأثر ويتمظهر من خلال التواصل المباشر مع المحيط الخارجي وبما أنه يمكن يؤثر ويتأثر فيمكن صناعته من خلال المحتوى أو المضمون الذي ينتجه الفكر الإنساني بصفة عامة وما تنتجه وسائل الاعلام والاتصال على وجه الخصوص.

أول من وضع مصطلح "صناعة الوعي" هو هانس ماغنوس انزنسبيرغ

Hans Magnus Enzensberg   حيث استطاع أن يحدد الآليات التي يتم من خلالها استنساخ العقل البشري كمنتج اجتماعي ومن أهم هذه الآليات هي وسائل الاعلام والتعليم. (04)

فالإعلام وما يوفره من معلومات قد تكون صحيحة أو مغلوطة، وتمكًنه من التغلغل داخل المجتمع واستعماله لعدة أساليب مرتبطة بما يعرف بـ «علم النفس الإعلامي" تنضوي تحت جناح مفهوم "تكوين الرأي العام"، و"قادة الرأي" و"الدعاية" والبروباغندا"، من خلال نظريات التأثير والتأثر، وباقي الأساليب النفسية والذهنية، له دور محوري وهام في صناعة الوعي أو التحكم فيه وتوجيهه وفي بعض الأحيان يتحول الوعي والادراك الإيجابي الى وعي زائف ومغلوط.

كما أن للمؤسسة التعليمية وحتى الدينية أيضا الدور البارز في تكوين الوعي لاعتمادها على الفئات العمرية الصغيرة وتنشئتها على فكرة معينة، وسهولة غرس التصورات في أذهان صغار السن وهو حال المؤسسات التعليمية، هذا من جهة ومن جهة أخرى أن التعليم يمكًن أيضا من التحكم الجيد في اللغات وطرق التحليل والتفكير والاطلاع على الثقافات المختلفة وتاريخ البشرية، وتعلم الطرق العلمية والتجريبية في مختلف المجالات، مما أوجد إنسانا يمتلك مقومات التفكير والتحليل والتجريب والادراك الكبير والواسع. فصناعة الوعي تعتمد بالدرجة الأولى على توفير المعلومات ثم العمل على تحليلها وربطها ببعضها البعض والخروج بمواقف وآراء وتوجهات.

آليات صناعة الوعي:

كما رأينا سابقا فإن الوعي لا يتأتى من فراغ بل هو حالة عقلية من حالات الادراك حيث يكون الانسان في تواصل دائم ومباشر مع محيطه الخارجي عن طريق منافذ الوعي، فأن تكون واعيا فمعناه أنك تتفاعل إيجابا او سلبا مع مختلف الأنظمة والنسق الاجتماعية، هذه الأنظمة الاجتماعية والنسق هي التي تكون آليات صناعة الوعي لدى الانسان حيث يمكن التحكم في الوعي والادراك من خلال التحكم في الآليات التي تنتج الوعي وأهم هذه الآليات وليس كلها لأنه يصعب تحديدها و أنالا أرى ان اهم العناصر التي تتحكم في آليات  صناعة الوعي هي كالاتي:

01/ الثقافة:  يرى  فيلسوف الحضارة " مالك بن نبي"  أن المجتمع له 03 مكونات أساسية ، هذه المكونات هي التي تكون الثقافة فيقول أن هناك عالم الأفكار وعالم الأشخاص وعالم الأشياء ونحن ما يهمنا في موضوعنا هذا هو عالم الأفكار الذي يعتبره الفيلسوف "مالك بن نبي" هو الذي يشكل الثقافة حيث يتمظهر في مجموعة المعتقدات والمسلمات والتصورات والمبادئ والنماذج التي تحتويها عقول  مجتمع ما ، ويدخل في هذا العالم أيضا أنماط التفكير والقيم والمشاعر والأحاسيس : مثل قبول الآخر وقبول الاختلاف بيننا وبين الأشخاص الآخرين واحترام عقول الناس كقيمة وسلوك.

فالثقافة عبارة عن منظومة أفكار موجودة في منظومة التنشئة الاجتماعية

02/ وسائل الاعلام وصناعة الرأي العام:

يُعتبر الإعلام اليوم أحد أهمّ العناصر التي تتأثر بكافّة مجالات الحياة: الاقتصاديّة والسياسيّة، والاجتماعيّة، وتؤثّر بها في الوقت ذاته؛ إذ يُعرف الإعلام بأنّه الوسائل والتقنيات على اختلاف أنواعها والتي يتمّ توظيفها في عملية نشر الأخبار، والمعلومات، والأفكار المختلفة بين الناس. وبات الإعلام اليوم أيضا لاعباً رئيسيّاً، وحسّاساً، ومؤثّراً على الساحتين: المحليّة، والعالميّة؛ فجميع الناس يتعاملون مع وسائل الإعلام بطرقٍ مباشرةٍ، وغير مباشرة؛ حيث تُعتبر هذه الوسائل المصدر الأول للأخبار، والمعلومات، ووسيلة للتّخاطب بين الحكومات، ورجال السياسة، وأصحاب الأقلام، وغيرهم من جهة، وبين أفراد الشعب بكافّة أطيافه، ومكوّناته من جهة أخرى، كما يلعب الإعلام أدواراً عديدةً أخرى كالترفيه، وخدمة الجمهور والمتلقّين، والتثقيف، إلى جانب إيصال صوت الناس إلى المختصين، والمعنيّين
أما الرأي العام فهو الآراء الصادرة عن مجموعةٍ من النّاس والتي تتعلّق بقضايا ومواضيع معيّنة؛ بحيث تتسم مثل هذه المواضيع أو القضايا بسمة الجدليّة، وتكون قادرةً على تحمّل العديد من الآراء، ووجهات النظر المختلفة، هذا ومن الضروري أن تكون للفرد علاقةٌ بالقضية قيد النقاش، أمّا إن لم تكن له علاقة بها فإنّه على الأغلب لن يتأثر، ولن يكون له دورٌ، أو رأيٌ فيها. تلعب العديد من العوامل أدواراً مُتباينةً في تشكيل الرأي العام إزاء قضيةٍ من القضايا، وعلى رأس هذه العوامل تأتي العوامل البيئيّة، والوراثيّة، خاصّةً تلك التي لها علاقة بالموروثات الثقافيّة والدينيّة المختلفة، إلى جانب ذلك تلعب المدرسة، والجامعة، ودور العبادة، والشخصيات المجتمعيّة المؤثرة، ووسائل الإعلام، والعديد من العوامل والجهات الأخرى أدواراً حساسّة في هذا المجال أيضا.

يُزوّد الإعلام عبر وسائله المختلفة المتلقّين بالمعلومات، والأفكار، والأخبار المختلفة كما سبق وأسلفنا، وهذه هي النقطة الأولى التي تنطلق منها آراء الناس إزاء ما يتلقّونه، فيبدأ الرأي العام بالتكوّن شيئاً فشيئاً. وإلى جانب ذلك، فإنّ وسائل الإعلام تؤثّر في الرأي العام من خلال الطريقة التي تعرض بها موادها؛ لذا فهي من أخطر الوسائل المؤثّرة في الآراء على الإطلاق، وهذا قد يتضّح من ردات الفعل اتجاه قضايا الساعة والتي قد تكون متناقضةً، وحديَّةً، وغير مفهومة في بعض الأحيان، فقليلاً ما يجد المتابع وسائل إعلام محايدة تعرض موادها دون تحيّز أو محاباة. تمتلك وسائل الإعلام القدرة على عرض القضايا غير المهمة، وجعلها قضايا رأي عام، وهذا قد يبعد أنظار المتلقّين عن القضايا الحساسة والتي تمسّ شؤون حياتهم بشكلٍ مباشر، ممّا يؤدي إلى اختلال الموازين، وضياع الناس، ولكن من جهةٍ أخرى فإنّ الساحة تحتوي على وسائل إعلامٍ جيّدة تحترم متابعيها، وتَعرض القضايا التي تهمّ الجميع بجرأة، ودون محاباة، أو تحيّز.(05)

03/ قادة الرأي وصناع القرار:

يؤكد التاريخ، وتثبت الأبحاث العلمية أن عملية نشر الأفكار والمبادئ مهما كان نوعها تعتمد رأسا على قادة الرأي والفكر، وأن الجماهير أكثر تأثرا بهم من روافد المعرفة الأخرى، ومن وسائل الاتصال الجماهيري، فهم الوسطاء بين هذه المصادر وبين الناس، ويساهمون بفعالية في تشكيل الرأي العام وتوجيهه والسيطرة عليه داخل مجتمعاتهم المحلية. وقد سماهم البعض مفاتيح الاتصال، وآخرون حراس البوابات، أو رؤوس شموع الاحتراق. وظاهرة قيادة الرأي قديمة حديثة، كان لها وجودها بين المجتمعات منذ القدم، ولكن الجديد فيها هو التقنين العلمي المعاصر لهذه الظاهرة ودراسة مختلف أبعادها وجوانبها. ويلعب قادة الرأي والفكر دورا إيجابيا في التأثير على غيرهم لكي يتبنوا نفس الأفكار والوصول بهم إلى الأهداف المرجوة. وهؤلاء القادة عادة ما يأخذون زمام المبادرة في قبول أو رفض الأفكار الجديدة قبل أن يفعل التابعون لهم ذلك. وهم يتنوعون حسب مستوياتهم الفكرية والاجتماعية والتأثيرية، فمنهم: رجال الدين من أئمة وخطباء ووعاظ، رجال الإعلام الأدباء الكتاب...الخ. وينفرد قادة الفكر الإسلامي بمنزلة روحية خاصة في نفوس الجماهير، ويمثلون مكانة مقدسة في قلوبها. وتكمن قوة تأثير هؤلاء القادة إلى مجموعة عوامل. وفي المقابل فإن كثيرا من هؤلاء القادة لم يؤدوا الدور المنوط بهم في تغيير الأفكار الضالة والأعراف الخاطئة وإحداث النهضة المرجوة وذلك لعدة أسباب. والقادة الناجحون هم الذين يتجاوزون السلبيات ويسيطرون على المواقف من حولهم ويحققون أعلى درجات التأثير ولتحقيق ذلك لا بد أن تتوافر لديهم سمات خاصة ومميزات معينة. إن عصرنا هو عصر طوفان المعلومات والأفكار والاندماج الايجابي معه يقتضي وجود أدلاء من مفكرين وعلماء وصناع قرار (06)

الوعي والتغيير

جاء في سورة الرعد المباركة الآية 11: "إنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حتى يُغَيَّروا ما بِأَنْفُسِهِمْ"، وتشير هذه الآية المباركة بوضوح إلى أن أي فعل تغييري لابد أولاً أن ينبع من داخل الذات الإنسانية طالما أن التغيير من سنن الله تعالى في خلقه وأن الأشياء التي خلقها جَلَّ وعلا إنما خُلِقت بقدر معين. ولعل الحاجة للتغيير تأتي بسبب اختلاف الظروف وتبدلها بين أزمنة مختلفة، خصوصاً في طرائق التفكير بين أجيال قديمة نشأت في ظروف ومراحل معينة، وأجيال جديدة نشأت وتنشأ في ظروف مختلفة كلياً، حيث التطور التكنلوجي، واختصار العالم بوسائل اتصالية حداثية، وما يستتبع هذه التبدلات من تداخل حضاري ينبغي أن يكون بقدر معين؛ حتى لا تنقلب الأمور إلى العكس.

فبين نمط بطيء تعودت عليه أجيال قديمة، ونمط متسارع بشكل هائل يحكم مزاج الأجيال الحالية؛ يحضر البون الشاسع في طريقة التفكير، الأمر الذي يجعل الحاجة للتغيير ضرورية.

والتغيير هنا لا يعني أن ننسف النمط الفكري القديم والانحياز للجديد أو العكس؛ بل يُفترض إيجاد مقاربة بين الأنماط التفكيرية تعتمد على صيغة للتفاهم تجعل القبول بالآخر مركزاً لهذه المقاربة، حيث يمكن للقدماء أن يستوعبوا التطور والتسارع في النمط الجديد، مثلما يمكن للأجيال الحالية الاستفادة من الأنماط القديمة والانطلاق منها لإحداث التغييرات المطلوبة التي تتلاءم مع متطلبات ما يعيشون فيه من عصر يتطور باستمرار.

الحاجة للتغيير، وإن كانت تبدأ من الأفكار كأساس، لكنها على الصعيد الواقعي تحتاج إلى تطبيقات عملية، فليس من المنطقي والشعوب تشهد هذا الانفتاح العلمي والاتصالي، أن تُحكم وفق أمزجة قديمة غير آبهة بما يجري حولها معتمدة على عناصر السلطة التي تأخذ شكل القمع ومصادرة الآراء. فعملية قيادة الشعوب في مثل هذه الظروف المتغيرة شبيهة بطريقة التدريس التي يحاضر فيها رجل في العقد السابع من عمره وفق منهجية أكل عليها الدهر وشرب أمام طلبة لم يبلغوا العشرين!

لا يعني هذا أن المنهج الذي يعتمده المحاضر السبعيني منهج خاطىء، بل أن آلية تقديم المنهج هي التي لا تتناسب مع استيعاب العقول الشابة.

الحل إذاً هو في تجديد الآليات التي نقدم بها المناهج في الفكر والثقافة والاقتصاد وعلم الاجتماع وغيرها من المعارف التي تعنى بالعلوم الإنسانية. وتجديد الآليات؛ يلزم أولاً مقدمات أساسية تهيّء لإحداث فعل التغيير، خصوصاً إذا اتصل بالتداعيات السياسية، وهذا يعني أن الوعي بالسياسة، وفهم خفاياها من أهم الصفات التي يجب أن يتحلى بها المتصدي للتغيير أو الممارس له. ولهذه الجزئية يشير المفكر الإسلامي السيد (محمد الحسيني الشيرازي رحمه الله) بأن المتصدي لفعل التغيير من دون الوعي بجوهر الفكرة المراد إحداث التغيير فيها؛ فإنه " لا يتمكن من مواصلة السير بالحركة إلى شاطئ السلام والهدف المنشود. ومن الواضح ان كثرة كبيرة من المثقفين سواء الدينيين منهم أو الزمنيين لا يعرفون السياسة إلا ظاهراً منها؛ لأنهم لم يدرسوها ولم يباحثوها بل ولربما لم يطالعوها، وإنما كان هم المثقفين الدينيين بعض الأمور الدينية التي هم بصددها، أما المثقفون الزمنيون فهمهم في دروسهم وممارساتهم العلمية منحصر في الطب والهندسة والفيزياء والكيمياء وغير ذلك، ولذا نرى المسلمين يُصَبُّ عليهم البلاء صَبَّاً وهم لا يعرفون المصدر ولا الكيفية ولا الخصوصيات؛ ولذا يعجزون عن العلاج والخروج من المأزق، فمن اللازم دراسة السياسة دراسة مستوعبة ، ثم مباحثتها ومواصلة مطالعتها بدقة، وحيث لا يمكن تجريد السياسة عن علمي الاجتماع والاقتصاد، فاللازم دراستهما أيضاً

وهنا تأكيد على الوعي بالفكرة من خلال دراستها دراسة شاملة من جميع الأبعاد، وفهمها من جميع الجوانب، حتى يتسنى لممارس الفعل التغييري المباشرة بمشروعه، والأهم هو تقليص الفجوة بين مثقفي التخصصات الذين يجمدون على تخصصاتهم دون الاجتهاد في الخوض في علوم ترتبط بعملية تنظيم الحياة، فرجل الدين لا ينبغي عليه البقاء أسير ما تعلمه من أمور الفقه ــ على أهميتها ــ في حال أراد أن يتصدى لفعل التغيير في مجتمع فيه الفقه والأدب وعلم الاجتماع وبقية التخصصات العلمية، وكذا بالنسبة لأصحاب التخصصات العلمية الاخرى.

والوعي بالفكرة وفهمها لابد أن يتجسد إلى فعل حقيقي يعزز الرغبة بالتغيير، وإدراك ضرورة التداخل الإيجابي بين الأفكار وعدم الفصل بينها ثم إذا حدث ما لا يحمد عقباه بدأنا بممارسة الندم وهدر الطاقات، فمعرفة المشكلة وفهمها يمثل نصف أو أكثر من نصف الطريق لحلها أو تغييرها، وقبل ذلك يلزم توفر القناعة النفسية بالتغيير والإيمان به، وإلا فإن التاريخ يحدثنا عبر حوادث كثيرة عن ثورات وسلوكيات كانت تريد التغيير، لكن الفشل وعدم الاستمرار كان النتيجة الحتمية لها؛ لعدم توفر القناعة التامة او الإيمان الحقيقي بالفعل التغييرين وربما كان هاجس التغيير فيها لا يستند لمعرفة كافية، أو لأن ممارس الفعل إنما مارسه لطموحات شخصية لا علاقة لها بخدمة الناس.(07)

و كخلاصة نقول إنه لا وعي دون معرفة ولا تغيير دون الوعي بالفكرة

         

                                                           بقلم: سامية مرزوقي

 

المراجع: (ويبوغرافيا)

01/ https://ar.wikipedia.org/wiki/ صناعة الوعي

02/ https://www.manhal.net/art/s/22503 حسين محمد الحكمي

03/ محمد مروان – 19 جويلية 2018 -https://mawdoo3.com

04/  https://ar.wikipedia.org/wiki/ صناعة الوعي

05/ https://mawdoo3.com

06/ مجلة العلوم الانسانية لجامعة أم البواقي 
Volume 1, Numéro 1, Pages 73-90
الشريف مرزوق

07/ https://annabaa.org/arabic/authorsarticles/13845  عادل الصويري

Phone : 0773 18 43 09
E-mail : This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.

Atlas Times أطـلـس تـايمز

Journal Electronique Algerien, Edite par: EURL Atlas News Corp. R.C: 18B0071953-00-25