Articles

الجزائر: الجيش و نهاية التفويض ضرورة الانتقال من هوبز إلى روسو

كانت الرسالة القوية للحراك الشعبي هي استعادة الشعب للتفويض الذي منحه للعسكر منذ الاستقلال و ليس العكس. في هذا المقال الذي سمح الدكتور نوري دريس بنشره على موقعنا تساءل الجامعي  "لا ندري هل دعوة قناة الشروق الجزائريين للتظاهر  "لتفويض الجيش" ، كان بطلب من القيادة العسكرية، أم كانت مجرد مبادرة تزلف شخصية من ملاك القناة لأسياد المرحلة الحالية"، موضحا في مقاله الأكاديمي ،هذه الممارسة ليست بجديدة في العالم العربي على الأقل، و كلنا نتذكر ما حدث في مصرسنة 2013، و كيف قام الإعلام المصري، بتعبئة الشارع بالإشاعة و الكذب و البهتان ضد الرئيس مرسي و جماعة الإخوان، و استخدام ذلك لاحقا '' كتفويض شعبي'' لعزل الرئيس المنتخب، فقد أصبحنا اليوم نعرف جميعا" ثمن التفويض المزعوم" للجيش، و نتائجه.

بقلم: نوري دريس (جامعي)

في النظرية السياسية، الحديث عن تفويض الجيش، يندرج ضمن مرحلة الدولة التسلطية، حيث ''الشعب'' يتنازل عن سلطته لصالح الملك مرة واحدة ودفعة واحدة، دون أن يكون الملك طرفا في العقد، أي دون أية بنود تلزمه على تقديم حسابات للشعب حول طريقة استخدام التفويض، أو مدته. السلطة هنا، تستلم التفويض، ثم تنفرد، وتستخدمه كما تشاء دون أي إلتزام أخلاقي أو سياسي أو قانوني.
بالنسبة لتوماس هوبز( 1588- 1679)، فيلسوف الدولة، هذ الوضع ضروري للقضاء على الفوضى والحروب...لا بد من سلطة مطلقة تحصل على تفويض مطلق، لتستطيع بناء الدولة وإعادة السلم الاجتماعي. إنه وضع يسمح بالانتقال من اللا- دولة إلى الدولة.
ما تم الدعوة إليه عبر قناة الشروق- التظاهر لتفويض الجيش وتطبيق المادة 102 دون أية ضمانات - يشبه الى حد ما التفويض الذي تحدث عنه هوبز. ولكن، نحن لسنا في حالة ما قبل الدولة، ولا في حالة حرب. نحن اليوم في لحظة هوبز: دولة مطلقة، وليس في لحظة ما قبل هوبز: مرحلة ما قبل الدولة.
على مدار 60 سنة من نشأة الدولة، والجيش يستمتع بالتفويض المطلق الذي حصل عليه عشية الاستقلال تحت شعار " سبع سنين بركات" بعد أزمة صيف 1962. ثم حرب 1963. تصرف خلالها في السلطة السياسية كمجال خاص، يحدد فيها قواعد اللعبة، ومن يٌسمح له بأن يكون داخل السلطة ومن لا يُسمح لهم بذلك. يستخدم التفويض الرمزي المسنود بالشرعية الثورية، المكرسة في ميثاق طرابلس، ودستور 1963، بتسيير الحقل السياسي عن طريق الشرطة السياسية، الحزب والإدارة.
اليوم، خرج الجزائيون لاستعادة التفويض المطلق، الذي عبث به الجيش واستخدمه بعض أفراده وجهاز الدولة الذي بناه، لأغراض شخصية، مثل جمع الثروة وبناء مناطق النفوذ. بات الجزائريون اليوم، مقتنعين بأن لحظة هوبز اكتملت ويجب تجاوزها، لأن السلطة المطلقة هي مفسدة مطلقة وحان الوقت لإعادة النظر في العقد السياسي الذي يربط السلطة بالمجتمع.
ان المجتمع الجزائري اليوم، وعبر الشارع ، أعلن عن نهاية التفويض المطلق للجيش، ومن ثمة نهاية سلطة الجيش في تفويض أفراد مدنيين لتسيير شؤون الدولة. يريد المجتمع، أن يسترجع حق التفويض من الجيش، ويمنحه هو بنفسه لأفراد ينتخبهم ويحاسبهم بشكل مباشر، أفراد يقدمون حصيلتهم مباشرة للمجتمع الذي يفوضهم عن طريق الانتخابات التمثيلية، وليس لمن عينهم باسم الشعب، و باسم الشرعية الثورية.
انها لحظة الانتقال من هوبز الى جون جاك روسو، أي ضرورة تعديل العقد السياسي ليكون فيها الملك، صاحب السلطة طرفا في العقد، وليس صاحب العقد.
يقولو جون جاك روسو، بأن السلطة المطلقة لا يمكن أن تضمن السلم الاجتماعي، ولا ازدهار الدولة، ولهذا يجب أن تكون طرفا في العقد السياسي والاجتماعي، تلتزم فيه باحترام القانون، وإن لم تفعل، فيمكن نزع التفويض منها ومنحه لأشخاص آخرين.
الجيش، لا يمكن ان يكون طرفا في هذه البنية السياسية الجديدة، لسبب واحد هو أنه لا يمكن انتخاب أفراده ولا قيادته، ولهذا لا مكان للعسكر داخل الدولة الحديثة، لأنه ما من إمكانية لانتخابهم ومن ثمة لمحاسبتهم حول حصيلتهم في ممارسة السلطة، وبذلك معاقبتهم انتخابيا.
تتأسس الدولة الحديثة على مبدأ التفويض( التمثيل) الانتخابي، ومبدأ العقاب الانتخابي la sanction éléctorale، والجيش لا يمكن ان ينطبق عليه لا التفويض ولا العقاب، ولهذا تم اخراجه من الحقل السياسي مباشرة بعد اكتمال اللحظة الهوبزية le moment Hobbesien.. ويحل محله سلطة مدنية تحصل على تفويض محدود زمنيا( عهدة انتخابية) مقابل برنامج ووعود انتخابية.
يشعر الجيش اليوم أن الشعب خرج لينتزع حق التفويض منه، وذلك من خلال مطالبة المتظاهرين برحيل كل الأشخاص الذين اختارهم الجيش وفوضهم لتسيير الدولة ( الرئيس بوتفليقة)، أو من خلال رفض كل المبادرات التي تهدف الى التمديد للتفويض أو إعادة تجديده بطرق أخرى. ولهذا، تقوم بعض وسائل الإعلام، بالدعوة إلى '' منح تفويض جديد '' للجيش ليستمر في انجاز مهمته التاريخية المتثملة في حماية الدولة من الضياع بسبب ممارسات بعض السياسيين الذين خانوا الأمانة والثقة التي وضعها فيهم الجيش.
تعتقد هذه الثقافة السياسية ، بأن سبب الأزمة الحالية يعود إلى عدم نزاهة السياسيين الذين وضع قادة الجيش الثقة فيهم واختارهم لتسيير شؤون الدولة باسم الجزائريين، وبالتالي، فإنه يجب منح فرصة أخرى للجيش ليختار – أو يساهم في اختيار- قادة جدد أكثر وطنية ونزاهة من سابقيهم.
لكن، المجتمع تغير، وتحول بشكل عميق، وعلى القيادة العسكرية ان تدرك مخاطر محاولة الاحتفاظ بالتفويض ، أو صناعة تمثيلية على الطريقة المصرية، يُشرعن بها محاولة احتفاظه بحق التفويض لفترة أطول باستخدام القوة والحيلة. الدولة الحديثة غير مرتبطة باستقامة وأخلاق المسيرين فيها، بل بوجود آلية محاسبتهم وتقييد سلطتهم . ليست رقابة الشرطة السياسية على الوزراء والولاة والمدراء التنفيذيين من سيحد من فسادهم، ولا ذلك سوف يزيد من فعالية تسييرهم. بل استقلالية القضاء ووسائل الإعلام، و الاختيار الحر عبر الانتخابات هو الذي سيدفع المنتخبين إلى تشريف الوعود التي قطعوها على ناخبيهم ليتم تجديد الثقة فيهم مستقبلا.
لن تنفع الحيلة، فالمجتمع أدرك أن لحظة هوبز انتهت واكتملت، ويجب تجاوزها والا ستكون الدولة مهددة في وجودها، لأنها تعرضت الى الخوصصة من طرف اولئك الذين حصلوا على التفويض المطلق قبل 60 سنة لبناء الدولة، أو من طرف أولئك الذين حصلوا على تفويض من الجيش.
على الجيش، وعلى الاعلام أن يرضخ لقانون الطبيعة وقانون التاريخ. التفويض في الدولة الحديثة، لا يتم منحه إلا لمؤسسات مُنتخبة، يمكن مراقبتها عن طريق الاعلام والقضاء والشارع. الانتخابات هي الطريقة الوحيدة التي يُمنح بها التفويض الشرعي للسلطة السياسية، والجيش اليوم، وبحكم الدستور الذي وضعه بنفسه، لا يمنح له أي دور سياسي؟ فكيف سيحصل على التفويض من الشارع وهو كان يقول بأن من تظاهروا لا يمثلون كل الجزائريين؟
على القيادة العسكرية أن تدرك بأن الشعب لم يخرج الى الشارع ليمنح لها تفويضا جديدا لها، أو ليجدد التفويض القديم.
بالعكس، إن الشارع تحرك ليقول للجيش إنك فشلت في استعمال حق التفويض الذي مُنح لك منذ الاستقلال، لاختيار المسؤولين المدنيين لتسيير الدولة ، وأن بوتفليقة الذي اخترته في 1999، خوصص الدولة لأنه لا يقدم حصيلته أمام الشعب، بل أمامكم أنتم، وبقدر ما حافظ على مصالح بعض قادتكم، بقدر ما جددتم الثقة فيه ومددتم له التفويض. إننا اليوم قررنا استعادة التفويض الذي تمتعت به، وأنت مشكور على بناء دولة ذات مركز سياسي قوي، تحظى بولاء جميع الجزائريين، ومشكور أيضا لأنك تحرس الحدود الطويلة للجزائر، وتسهر على أمن الجزائريين وممتلكاتهم، و مشكور أيضا لأنك تحمي الجزائر من التدخل الأجنبي ...ومشكور أيضا لأنك لم تلجأ إلى استخدام العنف ضد المتظاهرين... ولكن للمحافظة على كيان هذه الدولة لا بد من تفويض مباشر لسلطة مدنية عمومية معروفة، غير مقدسة ولا مُشخصنة، يُمنح لها عن طريق الانتخابات ضمن إطار مؤسساتي تُحدد فيه قواعد اللعبة السياسية بدقة.
على القيادة العسكرية إذا، أن تنتزع التفويض الذي منحته للرئيس بوتفليقة منذ سنة 1999، وهذا ما هو مطلوب منها، وتعيده للشعب للمرة الأخيرة، وتنسحب نهائيا من الحقل السياسي، لتسمح للجزائر بأن تنتقل الى ما بعد هوبز، أي لدمقرطة الدولة الجزائرية.

نوري دريس (جامعي)

Phone : 0773 18 43 09
E-mail : This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.

Atlas Times أطـلـس تـايمز

Journal Electronique Algerien, Edite par: EURL Atlas News Corp. R.C: 18B0071953-00-25