نوال السعداوي: تاريخ من النضال لأجل الحريات و التنوير

شاء القدر أن ترحل الأديبة والمفكرة الكبيرة نوال السعداوى فى اليوم الذي يحتفل فيه العالم بيوم المرأة وعيد الأم، بما يمنح رحيلها دلالات و معاني تعبّر عن عِظَم تجربتها ومشوارها الطويل في عالم الفكر والكتابة، و مجهوداتها التي لا ينكرها إلا جاحد، في مجالات الدفاع عن حرية وحقوق المرأة وتنميتها إنسانيًا وإبداعيًا، لتكون أحد أهم الأصوات البارزة في تاريخ مصر و منطقة الشرق الأوسط. 

مسيرة نوال السعداوي في مجالات الفكر والنضال الوطني وحقوق الإنسان ومكافحة التطرف لا يمكن بأي حال سردها إلا في الكتب والموسوعات.

في هذا المقال يستعرض الكاتبان جمال عاشور و مارسيل نظمي على صفحات جريدة "الدستور" المصرية أبرز الملامح والمحطات الرئيسية فى نشأة ومشوار هذه المرأة العظيمة، التي عشقت تراب هذا الوطن وعاشت من أجل إثراء عقول شعبه، وضحّت من أجل ذلك بالغالي والنفيس.


خاضت حروبًا لتفكيك الأفكار المتطرفة وترسيخ حرية المرأة


اشتهرت نوال السعداوى بإثارتها الجدل وانتقادها الحكومة خلال مراحل نضالها الوطنى، وفى عام 1981 أسهمت في تأسيس مجلة نسوية تسمى «المواجهة»، وحكم عليها بالسجن فى 06 سبتمبر 1981 فى عهد الرئيس محمد أنور السادات، وأطلق سراحها فى نفس العام بعد شهر واحد من اغتيال الرئيس الراحل.
سُجنت «نوال» فى سجن النساء بالقناطر، وعند خروجها ألّفت كتابها الشهير «مذكرات فى سجن النساء» عام 1983، ولم تكن تلك هي التجربة الوحيدة لها مع السجن، فقبل ذلك بـ9 أعوام كانت تتواصل مع سجينة واتخذتها كملهمة لروايتها «امرأة عند نقطة الصفر» عام 1975 كما رفضت محكمة القضاء الإدارى بمجلس الدولة بمصر، فى 12 ماي 2008 إسقاط الجنسية المصرية عنها فى دعوى رفعها ضدها أحد المحامين بسبب آرائها.
و نتيجة لآرائها ومؤلفاتها، تم رفع العديد من القضايا ضدها من الإسلاميين مثل، قضية الحسبة للتفريق بينها وبين زوجها، وتم توجيه تهمة «ازدراء الأديان» لها، كما وضع اسمها على ما وصفت بـ«قائمة الموت للجماعات الإسلامية»، وتم تهديدها بالقتل.
وفى عام 1988 سافرت خارج مصر، وقبلت عرض التدريس فى جامعة ديوك بقسم اللغات الأفريقية في شمال كارولينا، وأيضًا جامعة واشنطن.
اختيرت ضمن أكثر النساء تأثيرًا فى العالم العربى خلال 100 عام، من مجلة «تايم» الأمريكية، بسبب نضالها كناشطة نسوية من أجل تعزيز مكانة المرأة، خصوصًا بعد اجتيازها تجربة السجن، الذى وصفته بأنه كان بمثابة «ميلاد جديد لها».

لم تشأ «السعداوي» أن تقتصر معاركها على السلطة السياسية، وإنما واصلت فى مقالاتها، التي انتظمت في صحيفة الأهرام، معركتها مع العقل الذي يستغل الدين لتبرير الاستبداد وتعزيز الجهل، وهى المعركة التي جعلتها هدفًا لحملات استهداف معنوي، وتشيع من وقت لآخر أخبارًا عن وفاتها، وتُروج لها على مواقع التواصل الاجتماعي.
عاصرت «السعداوي»، التحولات الاجتماعية العميقة التي انجرت عن ثورة الضباط الأحرار ضد الملكية في مصر منذ عام 1952، ومؤشرات انحيازها للفقراء، وهذا الانحياز لم يمنع ابنة الطبقة الوسطى المصرية من تبنى قضايا مجتمعية كسرت الطابع البرجوازي التقليدي في تناول قضية المرأة، وجاءت شهرتها الحقيقية من احترافها الكتابة مع نشر كتابها «مذكرات طبيبة» 1960 الذي تضمن مشاهداتها، وكان أقرب ما يكون ليوميات كاشفة عن بؤس الوضع الصحي لفقراء المصريين، وتضمن كذلك ما يمكن أن تهمس به الفقيرات لطبيبة تولت علاجهن في المراكز الطبيبة الريفية.
أكدت نوال السعداوي خطابها بوضوح في كتابها «المرأة والجنس»، الذي حظي بانتشار واسع في قطاعات شبابية كثيرة، ساوت بينه وبين كتابات سيمون دي بوفوار فى المجتمعات الغربية.
وبلورت خطًا مميزًا لها في الحركة النسائية المصرية، عبر ربطها بين خطاب تحرر المرأة ومعركة التحرر الاجتماعي والاقتصادي، وبدأت تعي أهمية استعمال الأدب وسيطًا لنقل خطابها الثوري، وتُرجمت مؤلفاتها إلى لغات عالمية عديدة، بينما تم استقبالها دائمًا في العالم العربي ضمن السياق الإصلاحي، كخطابات للتغير الاجتماعي أكثر من كونها نصوصًا أدبية خالصة.
توالت أعمالها خلال تلك السنوات، ومنها: «الأنثى هي الأصل» 1971 و«الوجه العاري للمرأة العربية» 1974 و«المرأة والصراع النفسي» 1975 و«امرأة عند نقطة الصفر» 1973 ورواية «الحب في زمن النفط»، وإلى الآن تتصدر أعمالها، قائمة الكتب الأكثر مبيعًا فى العديد من الدول العربية.
استمرت «السعداوي» فى مواجهة مع نمطين من التفكير؛ الأول تبنته بعض الأصوات داخل الجماعة الثقافية، التي اعتبرت خطابها الأدبي والاجتماعي أقرب إلى النزعة الاستشراقية التي تلبي احتياجات الغرب، أما النمط الثاني فتركز في الجماعات الأصولية وثيقة الصلة بالخطاب المتأسلم، التي رأى أن كتبها تنطوي على إساءة بالغة وازدراء متعمد للأديان، لذلك كانت تدعم دومًا المطالبات بمصادرتها.
أكدت «السعداوي» مشروعها الفكري، وأن الثقافة العربية ليست وحدها الثقافة التي حولت المرأة إلى سلعة، وأن اضطهاد المرأة لا يرجع إلى الأديان، وإنما إلى النظم الاجتماعية في المجتمع البشرى.

ولفتت إلى أن هناك كتابات كثيرة في التراث العربي والإسلامي تشير إلى نقاط إيجابية لصالح المرأة يجب البحث عنها وإظهارها، مع العلم بأن النساء هن من يقمن بتحرير أنفسهن، وهذا لن يتم إلا بقوة التنظيم.
وفيما يخص تعدد الزوجات، أعلنت عن أنها ترفض فكرة تعدد الزوجات، قائلة: "تعدد الزوجات يخلق الكره بين الأطفال والزوجات، كما يزيد من الحوادث، وتعدد الزوجات كذب و ليس من القرآن، وبلاد عربية مثل تونس منعته".
أما المثلية الجنسية فلم ترها شيئًا محرمًا، قائلة: "الجنس عادة وتعوّد، والمثلية لها أسبابها، جزء منها وراثي بجانب التربية والخوف، والأمر يتطلب تحليله وإرجاعه لأسبابه الاجتماعية والبيولوجية وليس وضع هؤلاء فى السجون، لأن هذا ليس الحل، ولا بد أن تكون فيه حرية، فالمجتمع والدين لا دخل لهما في الجنس"، مستطردة: "لم نتربَ على حرية الجنس، والعلاقات الجنسية شخصية".


استمدت من والدها حرية التعبير عن الرأي أيًا كانت النتائج.. وعوقبت لدفاعها عن ضحايا العنف الأسري

في ليلة 27 أكتوبر عام 1931 ولدت نوال السعداوي بقرية كفر طحلة، إحدى قرى مركز بنها التابع لمحافظة القليوبية، وكانت الطفلة الثانية من بين 9 أطفال، وتعرضت للختان في السادسة من عمرها، وأصر والدها على تعليم جميع أولاده، وكان من الذين ثاروا ضد الاحتلال البريطاني لمصر والسودان، كما شارك فى ثورة 1919 وعقابًا له على ذلك، تم نقله لقرية صغيرة في الدلتا وحرمانه من الترقية لمدة 10 سنوات، و استمدت «نوال» من والدها احترام الذات ووجوب التعبير عن الرأي بحرية ودون قيود مهما كانت النتائج.
وتخرجت من كلية الطب جامعة القاهرة، فى ديسمبر عام 1955 وحصلت على بكالوريوس الطب والجراحة، وتخصصت في مجال الأمراض الصدرية، وعملت طبيبة امتياز بقصر العيني، وتزوجت في نفس العام من أحمد حلمي زميل دراستها في الكلية، ولم يستمر الزواج لفترة طويلة، وانتهى بعد ذلك بعامين.
وعندما سئلت عن زوجها في أحد حواراتها قالت: "زوجى الأول كان عظيمًا، زميلي فى كلية الطب، كان رائعًا، والد ابنتي، لم يُرد والدي أن أتزوجه لأنه غادر إلى السويس لمحاربة البريطانيين، لكن بعد ذلك تمت خيانة المقاتلين، والكثير منهم تم حبسه، هذه الأزمة كسرته وأصبح مدمنًا، وأخبرته بأنني لو تزوجته قد يوقف إدمانه، لكنه لم يفعل.. حاول قتلي، لذا تركته، وتزوجت مرة ثانية من رجل قانون ولم يستمر هذا الزواج أيضًا".
وخلال عملها طبيبة لاحظت المشكلات النفسية والجسدية للمرأة الناتجة عن الممارسة القمعية للمجتمع والقمع الأسري، وأثناء عملها في مكان ميلادها بكفر طحلة لاحظت الصعوبات والتمييز الذي تواجهه المرأة الريفية، ونتيجة لمحاولتها الدفاع عن إحدى مريضاتها من التعرض للعنف الأسري، تم نقلها مرة أخرى إلى القاهرة، لتصبح في نهاية المطاف المدير المسئول عن الصحة العامة في وزارة الصحة.
في ذلك الوقت، قابلت زوجها الثالث الطبيب والروائي الماركسي شريف حتاتة، الذي كان يشاركها العمل في الوزارة، واعتقل لمدة 13 عامًا في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، وتزوجا في عام 1964 ولهما ولد وبنت، ولكن انتهى الزواج بعد 43 عامًا.
وقالت عنه: "الزوج الثالث هو شريف حتاتة، والد ابني، كان رجلًا حرًا جدًا، ماركسيًا، تم سجنه، وعشت معه 43 عامًا، وأخبرت الجميع: هذا هو الرجل النسوي الوحيد على وجه الأرض، ثم بعد ذلك اضطررت للطلاق أيضًا، كان كاذبًا، كان على علاقة بامرأة أخرى، تعقيد الشخصية ذات الطابع الأبوي، ألّف كتبًا عن المساواة بين الجنسين ثم خان زوجته، أنا متأكدة أن 95 بالمئة من الرجال هكذا".
وفى عام 1972 نشرت كتابًا بعنوان "المرأة والجنس"، مواجهةً بذلك جميع أنواع العنف التي تتعرض لها المرأة، كالختان والطقوس الوحشية التي تقام في المجتمع الريفي للتأكد من عذرية الفتاة، وأصبح ذلك الكتاب النص التأسيسي للموجة النسوية الثانية، وكنتيجة لتأثير الكتاب الكبير على الأنشطة السياسية أُقيلت من مركزها في وزارة الصحة، ولم يقف الأمر عند ذلك فقط، بل كلفها ذلك أيضًا ترك مركزها كرئيس تحرير مجلة «الصحة»، وكأمين مساعد في نقابة الأطباء.
ومن عام 1973 إلى عام 1976 اهتمت «نوال» بدراسة شئون المرأة ومرض العصاب في كلية الطب بجامعة عين شمس، ومن عام 1979 إلى 1980 عملت مستشارة للأمم المتحدة في برنامج المرأة في إفريقيا والشرق الأوسط.

المصدر: "الدستور"

Phone :+ 213 (0) 663 580 030
E-mail : This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.
Viber: +213663580030
WhatsApp: 0663580030
Skype: omarshabbi

Atlas Times أطـلـس تـايمز

 Algerian News Web Site

Edited By: EURL Atlas News Corp.

R.C: 18B0071953-00-25

Directeur de Publication & Rédacteur en Chef: Amor Chabbi

مدير النشر و رئيس التحرير : عمر شابي 

Adress: Emir Abdelkader Square, Larbi Ben Mhidi Street Algiers DZ Algeria