الصرخة والضجر قراءة في مجموعة جسم طائرغير معرف

يقول الفيلسوف جيل دولوز أن "الكتاب هم أطباء الحضارة وكتاباتهم هي التشخيص للحالات المرضية التي تصيبها". إن الأدب هو الحالة الروحانية أو بالأحرى الحالة الصوفية التي من خلالها ينقل الكاتب حالاته الوجدانية إلى كتابات ورؤى أو نبوءات كما وصفها أدونيس. إن الحالة الجمود الفكري التي تعرفها اللغة العربية والشعوب الناطقة بها ماهي إلا نتيجة حتمية لضعف الإنتاج الأدبي وحضور صور نمطية في مخيلة الناس حول الأدب و واقعه و موقعه داخل ثقافاتنا.

بقلم: زين الدين بوغابة

تعرف الرواية في الأدب العربي هيمنة وسيطرة شاملة وتفوقا كبيرا على الجنس الأدبي الآخر الذي لا يقل شأنا و أهمية، ذلك أن القصة القصيرة كنوع أدبي مستقل وقائم بذاته، هو ليس كما يظن البعض مجرد نوع يخوضه الكتاب الشباب لكسب الخبرة أو لصقل موهبتهم. إن القصة القصيرة جنس أدبي يتميز بأسلوبه وحبكته وعبقريته وحتى لغته، فقد نجد كتابا عظاما قد قدموا بجانب رواياتهم قصص قصيرة تعادل او حتى تتفوق على الروايات من الحيث الجمالية والعمق الفني والأدبي والفلسفي.

لن يعاب على أي كاتب شاب اختياره للقصة القصيرة كنوع أدبي أراد أن يخوض في غماره، أو أن يبدأ مغامرته الأدبية فيه، كما هو الحال بالنسبة للكاتب سامي حباطي في مجموعته القصصية "جسم طائر غير معرف" الصادرة عن دار بوهيما مؤخرا، فقد أظهر نضوجا أدبيا وفكريا معتبرا، بالإضافة الى خيال أدبي واسع وخصب.  

إن تجارب أدبية من هذا النوع تستحق الثناء والتشجيع داخل جنس أدبي بحاجة الى نفس جديد وثورية في الشكل والمضمون. هذه المجموعة القصصية تعتبر أول عمل أدبي للكاتب فلا يجب النظر إليها كمحاولة فقط، بل في الحقيقة عكس ما يظن البعض أن الكتابات الأولى للكتاب هي مجرد محاولات أدبية تسبق ما يأتي بعدها لكن الكتابات الأولى لا تقل أهمية وتتضمن داخلها المنحى الذي سيسير فيه الكاتب.

يحاول مختار، بطل "جسم طائر غير معرف"، في عالمه الضيق ان يصنع الحدث داخل مجتمعه وربما أيضا داخل نفسه. فالرتابة تقتل الحياة وروح الابداع داخل الناس، فيصبح الناس عبارة ان آلات تعيد نفس الحركات والجمل والأفكار والسلوكيات ... انها تجعل منهم عبيدا للعادة. يحاول مختار ان يكسر هذا الجمود بصناعة طائرة شراعية ثم يحاول الطيران بها، فيصنع الحدث داخل المدينة وتحدث إثرها حالة من الهيستيريا في أوساط الناس. يعيش مختار حالة من التمرد على العادة وما يقترن بها من إحساس بالطمأنينة الزائفة التي توهم الناس بأن حياتهم بلغت منتهى الكمال وقد امدتهم أصلا بحقيقة الحياة فلا داعي للسؤال والبحث تحت الطبقات التي ترسبت مع مرور الزمن كما هو الحال بالنسبة للطبقات الجيولوجية. مختار ليس مختصا بهذا العلم ولا يهمه طبعا هذا التشبيه ,لكن المهم انه قد أحدث صدعا داخل هذه الطبقات برفضه الإحساس بالأمان الزائف.  

يقول الرسام النروجي ادفارد مونك Edvard Munch، إني لا أرسم ما أراه لكنني أرسم ما لا أراه، و يقول كذلك، إني أحاول في فني تفسير الحياة ودلالاتها كما أحاول أيضا مساعدة الاخرين على فهم الحياة بطريقة أفضل. ربما يحاول كاتبنا فعل نفس ما قاله الرسام المبدع باستعمال الكلمات عوض الألوان، فالتقاطعات موجودة حتما بين الفنون.

لقد قدم الكاتب لوحات فنية مختلفة في مجموعته القصصية حاول في كل منها تقديم رؤية عميقة تكون خارج اطر الملاحظة البسيطة وتخترق القشور والطبقات التي أحاطت ولفت جوهر الحياة، فأصبحت هي الحقيقة وطمست الحياة تحت أنقاض التأسيس. يجسد مختار موضوع لوحة فنية او تقاطعا مع لوحة فنية أخرى لما نجد في هذه الشخصية من تميز وتفرد.

في حين أن مزرعة لتربية الخبز تبعث في قارئها روح السخرية من واقع غريب قد صوره الكاتب ببراعة حول مشهد او مشاهد عادية في يوميات نعيشها بكل ألم و معاناة. لكن وحدها السخرية التي تخرج الحياة من تصلبها وتدخلها الى حالة اقل عدائية وربما حتى اقل مرارة حين نحاول تجرعها. الخبز بلا منازع هو بطل هذه القصة القصيرة وتتمحور احداثها حوله، اذ يجسد تلك الضرورية للاستمرار والعيش ومقاومة الجوع والموت داخل انساق اجتماعية ميتة أصلا وهنا تكمن المفارقة والسخرية والعبث.

أما في رحلة الى الأرض الدنيا وهي في الحقيقة رحلة أدبية مثيرة للفضول، تبعث الأخيرة في القارئ رغبت شديدة في معرفة ما يحدث لاحقا، فتسلسل الأحداث جاء بطريقة سلسة وغرابة عالم القصة وشخوصها تزيد في نفس القراء ذلك الفضول مما يدفعنا إلى الغوص فيها. تتجلى في جخران روح المغامرة في أي كاتب شاب يريد أن يكتب و ربما يلتقي الكاتب وجخران في هذا المسعى، يسافر جخران إلى مكان يخافه كل الناس لما تحول حوله من اساطير ليستقي من هذه المغامرة مادة أدبية وفي نفس الوقت يحاول الكاتب السفر ولكن في مسارات أخرى و في عوالم تنبثق من العالم الذي نعرفه. ان رحلة الكاتب رحلة في الزمن والمكان و اللازمان و اللا مكان. و تبقى رحلة الكاتب بين السطور و الكلمات أفضل الرحلات و أجرأ المغامرات.

بقلم: زين الدين بوغابة

Phone : 0773 18 43 09
E-mail : This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.

Atlas Times أطـلـس تـايمز

Journal Electronique Algerien

Edite par: EURL Atlas News Corp.

R.C: 18B0071953-00-25

Directeur de Redaction : Amor Chabbi

مدير التحرير : عمر شابي 

Adress:39;Rue Aouati Mostapha Constantine Algerie DZ Algeria