عبد الكريم تفرقنيت لأطلس تايمز: الحراك الشعبي سيتزايد و على السلطة تقديم تنازلات

يعتبر الأستاذ عبد الكريم تفرقنيت الأكاديمي و المحلل السياسي في هذا الحوار، أن تعنت السلطة وراء تزايد حدة الحراك الشعبي، و يعتقد أن عليها تقديم تنازلات للشروع في مرحلة إنتقالية، مبرزا دور قيادات الحراك الشعبي في إقامة "ديمقراطية تشاركية" ترفع مطالبها في المسيرات الشعبية و تنتظر رد السلطة عليها من أسبوع لآخر، لكنه يحذر في هذا الحوار الذي تنشر أطلس تايمز نسخته العربية و "الأهرام إيبدو" نسخته الفرنسية، من مخاطر الانزلاقات، إذا تواصل تعنت النظام و يقدم السيناريوهات المتوقعة للأسابيع القادمة.  

أطلس تايمز: برأيكم ما هي السيناريوهات المتوقع حدوثها خلال الأسابيع المقبلة على الساحة؟

الأستاذ عبد الكريم تفرقنيت: حسب رأيي إذا تمت التنازلات من قبل السلطة و سادت المرونة من الشارع و المعارضة ،هناك سيناريو  يتمثل في فتح  لقاءات مع الفاعلين في المجتمع من أجل تعديل خريطة طريق السلطة، أو إعادة النظر في رزنامتها بما يحقق تنظيم حوار وطني، و الشروع في  ندوة أو حوار وطني مباشرة في الأيام القليلة المقبل، و تقليص فترة المرحلة الانتقالية إلى أقصى مدة ممكنة و تعديل الدستور ثم تنظيم انتخابات رئاسية  في غضون أشهر معدودة،  قد لا تتجاوز ثلاثة أشهر  .

و هناك أيضا سيناريو الحل التوافقي، فينبغي على السلطة أن لا تغلق باب الحوار، و تتقبل مبادرات أخرى، من قبل الشارع أو المعارضة إذا ما تم طرحها على أرض الواقع، لمناقشة حل توافقي . يكون بالاتفاق على آليات المرحلة المقبلة و صيغ تحقيق الأهداف المرجوة من أغلب الأطراف الفاعلة .

أما إذا استمر تصعيد الشارع و إصرار السلطة على إجراءاتها، فيبرز  إما  سيناريو  المواجهات و الدخول في مصير مجهول، أو سيناريو إعلان حالة الطوارئ أو الحصار،  و الدخول في مرحلة انتقالية عسكرية أو شبه عسكرية.

 

أطلس تايمز: مع تواصل التظاهرات أمس للمرة الخامسة على التوالي، هل نحن في مواجهة حراك شعبي لا يخبت، أم بالعكس سوف تقل حدة التظاهرات الشعبية المطالبة برحيل النظام و بالتغيير، و تتراجع حدتها في المستقبل؟

الأستاذ عبد الكريم تفرقنيت: يبدو أن دائرة الاحتجاجات تتسع وعدد المحتجين يزداد في كل مرة، فالمشهد مثل كرة الثلج كلما تدرجت ازداد حملها و ثقلها. و الملاحظ، أن المتظاهرين يرفعون في كل مرة من سقف المطالب، ففي الجمعة الأولى 22 فيفري و الثانية في 1 مارس، كان يتصدر قائمة المطالب رفض العهدة الخامسة للرئيس عبد العزيز بوتفليقة، ثم ذهاب الوزير الأول أحمد أويحيى و استقالة حكومته، و كذا ذهاب بعض الوجوه غير المرغوب فيها، أما بعد سحب  بوتفليقة لترشحه وإعلانه تأجيل إجراء الانتخابات الرئاسية التي كان من المقرر  تنظيمها في 18 أفريل المقبل ، فقد تم رفع السقف في جمعة 15 مارس إلى مطلب رفض تمديد العهدة الرابعة، "تروحو يعني تروحو" أي رحيل النظام، الرئيس و من معه في مناصب مسؤولية الدولة .

و اعتقد، انطلاقا من رفع سقف المطالب و تزايد عدد المتظاهرين من يوم لآخر، أنه لن يتم خفوت أصوات التظاهر، إلا إذا تم الاستماع إلى مطالب الشعب  بجدية و تعقل..

الشعب يقول "لا" للنظام برمته، بينما المعارضة لا يبدو أنها قادرة على جمع مناضليها و لا الحشود الشعبية، كما انها لم تقدم بديلا حقيقيا، حتى الآن، و نحن في مواجهة حراك بدو قيادة سياسية، هل يشكل هذا الأمر بنظركم خطرا؟ و هل يمكن اعتباره قفزة نحو المجهول؟

بالفعل، الشعب المتظاهر يرفض النظام و يطالب برحيله. كما أحزاب المعارضة غير مرغوب فيها في الشارع، فقد طردت من المسيرات، و هي الآن في موقع ذلك المتفرج أو الذي يريد اللحاق بالركب.

فالمعارضة في الجزائر تتميز بضعفها وغيابها أو تغيبها عن الساحة السياسية ، بموجب عدة أسباب منها : تضييق السلطة عليها، أو ترغبيها مما  أدى إلى أن أغلبها يتعامل مع السلطة بطريقة " الزبائن" يقايضونها و يقبضون منه المزايا و الامتيازات، أو بسبب انقاسامتها الداخلية حيث خرج من كل حزب "كبير" على الأقل ثلاثة أحزاب ، مثل حركة مجتمع السلم ، وحركة النهضة ، و التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية و جبهة القوى الاشتراكية ، وغيرها..

إضافة إلى هذا يرجع ضعفها أيضا، إلى تصرفات قيادات هذه الأحزاب، و احتكارهم للقرار وعدم فسح المجال لبروز قياديين آخريين للتداول على المسؤولية . و الخلاصة أن ما يفوق ثلثي مجموع أحزاب المعارضة  البالغ حوالي 60 حزبا، هي أحزاب " مجهرية " أو صغيرة ، محدودة من حيث عدد مناضليها و المنخرطين فيها ، و بالتالي تفتقر للقواعد الشعبية.

مثل هذه العوامل جعلت المعارضة في الجزائر، تعيش وضعا هشا، حيث سادها الوهن و الضعف، ولم تصبح قادرة على التعبئة والتجنيد الجماهير، كما أن أغلبها فقد ثقة المواطنين. و لهذا لم يصبح الشعب أو جزء كبير منه على الأقل ينظر إليها بعين الرضا، فقد تم طرد أغلب قادة أحزاب المعارضة الذين حاولوا أن يكونوا ضمن مسيرات المتظاهرين، سواء أكانوا من أحزاب ذات التوجه الإسلامي أو العلماني أو غيرهم .

و الآن، لم تتمكن أحزاب المعارضة من صياغة مبادرة يمكنها أن تضمن لها العودة للساحة السياسية ، حتى تمكنها أن تخفف من حدة التصعيد التي يعرفها الشارع أو الشعب، و تساهم في التخفيف من تشنج السلطة و تباطؤها في تلبية رغبات الشعب .

أما الشارع أو الشعب الذي يتظاهر، فهو حركة مواطنين عاديين ، أغلبهم لا يحترفون  السياسة ، هي حركة تضم كامل فئات المجتمع، شباب في أغلبهم ، من قطاعات مهنية مختلفة ، أساتذة جامعيون ، ناشطون سياسيون و حقوقيون، محامون، قضاة، عمال و طلبة و حتى بطالون. و قد تمت  تعبئة هؤلاء وتجنيدهم  للمشاركة في المسيرات و تحديد أماكنها و مسارها وشعاراتها عن طريق صفحات مجهولة المصدر في الموقع التواصلي " فايسبوك " في بادئ الأمر، ثم  تدخل بعض الناشطين المعروفين على خط توجيه المتظاهرين ..

و يصعب في مثل هذه الحركات  الشعبية  التي تخرج  من عمق المجتمع دون تأطير من أحزاب أو جمعيات او هياكل  معروفة، أن يتم تنظيمها أو حتى اختيار ممثليها ، و مثال  ذلك " السترات الصفراء " في فرنسا . لكن هناك تجارب أخرى مثل تونس، تمكنت من اختيار من يمثلها . و رغم هذا يجري  نقاش و جدل في أوساط المتظاهرين في الجزائر هذه الأيام حول إمكانية اختيارهم ممثلين عنهم او ناطقين رسميين لهم للحوار والتفاوض مع ممثلي السلطة .

 و نعتقد أن هؤلاء المتظاهرون شكلوا منذ  تحركهم في الشارع في 22 فيفري الماضي ، قوة ضغط كبيرة ، على السلطة ، و من الممكن  أن يصبحوا - حتى لا يفقدوا بريق  مشاركتهم في الحياة السياسية – و يساهموا فيما أصبح يطلق عليه في عصر الويب و النت "الديمقراطية التشاركية " حتى يتحولوا إلى قوة اقتراح و معارضة مضادة و منافسون  للمعارضة الحزبية .

بفعل الحراك الشعبي، شاءت السلطة أم أبت،، فقد دخلت البلاد في مرحلة إنتقالية، هل برأيكم تمثل هذه الحالة الإنتقالية إستمرارية للوضع الذي كان سائدا ام أنها تمثل بروز قطيعة حقيقية و منعطفا سياسيا يسير بالبلاد نحو وجهة جديدة؟

السلطة أقرت مرحلة انتقالية لمدة لا تتجاوز سنة، يتم فيها تنظيم ندوة وطنية و تعديل الدستور وتنظيم انتخابات رئاسية . لكن ورقة الطريق هذه ، لم تلق قبولا من قبل المتظاهرين ، الذي رفضوا أن تدار و تسير المرحلة الانتقالية ، من قبل  رجال النظام ، خاصة بعد تعيين نورالدين بدوي وزير الداخلية السابق وزيرا أولا، و رمطان لعمامرة  المستشار الدبلوماسي لرئيس الجمهورية، نائبا للوزير الأول ، و كذا محاولات لخضر براهيمي - الشخصية  المقربة من الرئيس بوتفليقة  و المبعوث الأممي السابق - إيجاد  أرضية توافق و البحث عن مشاركين في الندوة الوطنية بالاتصال بشباب من الحراك السياسي  في الشارع، و بشخصيات من المقربين من هذا الحراك .

من جهتها تسعى أحزاب من المعارضة لبلورة مبادرة تكون حلا وسطيا توافقيا من أجل حلحلة الأوضاع و بسط جو من الحوار بين فعاليات المجتمع ، سلطة و معارضة و فاعلين في الحراك .فالخشية من الانحراف و التوجه نحو المجهول ، هاجس يؤرق الجميع .

لكن السلطة حاليا تريد أن تقوم هي بتسيير المرحلة الإنتقالية، فهل تنجح مساعيها في إرضاء ملايين المشاركين في مسيرات الحراك الشعبي، الذين يرفضون كل الوجوه السياسية القديمة؟

حتى الآن، تبدو رغبة السلطة واضحة في تسيير المرحلة  الانتقالية ، بحجة تفادي الفراغ المؤسساتي ، و تفادي انحراف الحراك و تفادي  دخول منطقة المجهول، لكن عامل فقدان الثقة بين المواطنين و السلطة ، نتيجة تجاربها السابقة  و إخلافها لوعودها في التغيير وإحداث الإصلاحات العميقة التي  دعت لها ، و كذا نظرا لمظاهر الفساد المستشرية في أوساط بعض المسؤولين و تصرفاتهم التي  تستفز المواطنين ، إضافة إلى هشاشة الوضعين الاجتماعي و الاقتصادي و ارتفاع نسب البطالة و تدهور القدرة الشرائية وغيرها من المتاعب اليومية للمواطنين .

ومثل هذه المعطيات تجعل المواطنين، يلجأون إلى محاولات معاقبة السلطة وعدم تصديق ما تتقدم به ، و هناك عوامل ظهرت بعد مسيرة 22 فيفري تدعو السلطة إلى تغيير تعاملها في تسيير الشؤون العامة ، واعتماد أسلوب الديمقراطية التشاركية، التي تضمن إشراك المواطنين في شؤون الحكم ، و تمكنهم  من طرح  مبادرات  أخرى بديلة ، و هذا ما يمكن أن يقدمه الشارع المتظاهر، كونه يزخر  بناشطين حقوقيين وسياسيين و غيرهم ..

Phone : 0773 18 43 09
E-mail : This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.

Atlas Times أطـلـس تـايمز

Journal Electronique Algerien, Edite par: EURL Atlas News Corp. R.C: 18B0071953-00-25