الجزائر: التلويث الرمزي هدفه كسر التوافق و تشتيت الحراك

 

يرى البروفيسور رضوان بوجمعة أستاذ الإعلام و الإتصال بجامعة الجزائر 3، أن ما تعرفه الساحة الجزائرية في هذه الأيام من حملات تشويه و تخوين مست عددا من الرموز و الشخصيات، ليست سوى محاولات "أطراف في السلطة و في المعارضة التي ولدت من المخابر" لتحريف النقاش الدائر في البلاد منذ حراك 22 فيفري، بغرض الحفاظ على الوضع الراهن و السماح للنظام بإعادة إنتاج نفسه، و عرقلة إعادة التشكيل العميقة و الحقيقية للفضاء السياسي، و يقدم البروفيسور رضوان في هذه المساهمة رؤية الخبير في مجال الإعلام للعديد من مظاهر عمليات التلويث و استعمال مصطلحات متناقضة و غير دقيقة بهدف إلى كسر التوافق الذي جمع الشعب ضد النظام و بالتالي العمل على تشتيت قوى الحراك. 

الجزائر: رضوان بوجمعة

نعيش منذ سنوات تلوثا رمزيا يغذيه الكثير من موظفي السياسة و "نخب" البلاطوهات و الكاستينغ، و "مثقفي " الريع الذين تخصصوا في اصطياد المنح داخل و خارج الجزائر، وكل ذلك يتم تحت رعاية و تضخيم منظومة إعلامية فاسدة و مفسدة.
ففي كل مرة يتقدم المجتمع خطوة نحو الأمام من أجل فتح نقاش حول بناء المستقبل، تتدخل هذه المخلوقات لممارسة تلويث رمزي رهيب من أجل المحافظة على الوضع الراهن، أو على الأقل إعادة تشكيله حتى لا يمس العمق الاستراتيجي للمنظومة التي فرضت بالقوة و تفرض قطيعها بسياسة الأمر الواقع.
هذا التلويث الرمزي تمارسه أطراف متعددة في السلطة و في المعارضة التي ولدت من مخابرها، و هي نتاج استراتيجية تهدف لكسر اي نقاش فعلي قد يؤدي إلى بناء التوافقات التاريخية التي قد تبني المستقبل خارج سياسة الأمر الواقع ، و بعيدا عن شبكات الفساد الوطنية المربوطة باالأوليغارشيا الدولية التي تمارس النهب و الاستلاب و تكسر الدول بغية الخروج من أزمتها البنيوية.
و قد انتج هذا التلويث الرمزي خطابات زائفة عن الثوابت و المتغيرات ، وعن الهوية و العنصرية،،وعن الدين و التدين، وعن الحداثة الاصالة، وعن اللغة و الايديولوجيا،،وعن السلطة و الدولة،وعن الجيش و العسكر، وعن الحزب و الجهاز، وعن الصحافة و الدعاية، وعن الوطنية و كراهية الآخر، و غيرها من ثنائيات يتم ربطها بكليشيهات تفرض بغية أن تؤدي إلى الطرق المسدودة و إلى المواجهة بين الجزائريين و الجزائريات، حتى يتمكن آلهة الأمر الواقع في الاستمرار ببذلة رجال المطافىء.
آخر منتجات التلويث الرمزي، و في خضم ثورة استرجاع الوعي و تقرير المصير، القول مثلا بالباديسية كهوية دولة، رغم أن الدولة بالمفهوم المعاصر لا يمكن أن تكون طرفا ايديويلوجيا، و لا يمكن أن تدخل كطرف في مختلف الصراعات، فالدولة مؤسسات تمارس الضبط حتى تسمح للمجتمع ببناء ديناميكيات يتم فيها احترام ممارسة التنوع و الاختلاف و الضبط الاقتصادي و الثقافي و غيره، و الكثير من المتاجرين الجدد برائد الاصلاح الديني في الجزائر عبد الحميد بن باديس لا يعرفون ابن باديس، لا حياة و لا ممارسة و لا التزاما و لا أخلاقا، و الأغرب من كل هذا أن الكثير منهم لا يعرفون حتى اللغة العربية، التي كانت أحد مراكز اهتمام بن باديس في مشروعه، و هو الذي باع حتى مجوهرات والدته لتأسيس المدارس القرآنية و تعليم اللغة العربية، وفي هذا كان ابن باديس ودون شك أمة لوحده في التضحية بحياته و وقته وجهده و ماله، وهو ما يفتقده الكثير ممن يحاولون المتاجرة به اليوم ، ومن مختلف الدكاكين الإيديولوجبة و السياسية، كما هو حال بعض أسماء الحركة الإسلامية الإخوانية التي حاربت بالأمس القريب أتباع الحركة الإسلامية المنتجة لهذا التوجه، بل و اتهمت هذه الأسماء دعاة المدرسة الإسلامية الجزائرية من منطلق ما هو أصيل في الإسلام، و قد كانت حجة هؤلاء آنذاك القول أن الأصل في الدين هو العالمية، وهو تلويث رمزي ناجم عن خلط بين عالمية الرسالة المحمدية و عالمية تنظيم الإخوان الذي يمارس "البولتيك" والولاء للجماعة و البيعة للتنظيم.
تلويث رمزي آخر أنتج خلطا بين المصالحة التي تمر عبر المصارحة و الحقيقة إلى فرض مصالحة و وئام الإفلات من العقاب عن كل المجرمين، الذين مارسوا العنف كوسيلة للوصول إلى السلطة أو للبقاء فيها، وهذا التلويث الرمزي أنتج كلمة قفزت على مبدأ عدم الإفلات من العقاب ، كلمة انتجها بوتفليقة و من جاء به من العسكر الذين تلطخت أيديهم بدماء الجزائريين من بلخير و توفيق و نزار و تواتي و طرطاق و غيرهم و هي كلمة المأساة الوطنية، و هي التي توحي بأن الازمة سقطت من السماء و لم تكن نتاج سياسات و أدوات و أشخاص.
و في التلويث الرمزي كذلك ، أنتج التيار الاستئصالي بمثقفيه و صحفييه و سياسييه، عنوانا كبيرا يحمل تسمية " التيار البعثي الإسلامي"، وهو عنوان فيه الكثير من التلوث و يحمل بحرا من الجهل، لأن الذين نادوا بهذا العنوان قد يجهلون أو يتجاهلون أو لا يعرفون أن البعث الأيديولوجي هو فكرة تقدمية قد نختلف معها، لكنها فكرة لا علاقة لها بالإسلام السياسي، ففكر البيطار و ميشال عفلق فكر تقدمي و تحرري، في حين أن البعث السياسي هو تيار علماني جزء من نخبه السياسية كان يعادي حتى الإسلام،، بل و الكثير من رموزه نتاج تعددية في الدين و المعتقد فهم إما مسيحيون أو ملاحدة أو مسلمون، في حين أن الإسلام كفكر سياسي مختلف بنيويا باختلاف المدارس و التوجهات من عصر النبوة إلى مجتمع ما بعد الموحدين و ظهور الحركة الإصلاحية إلى جمال الدين الأفغاني و شكيب و أرسلان وغيرهم الكثير من التوجهات و المدارس.

ومن التلويث الرمزي ما أنتجته "النخب " المستفيدة من الغيبوبة الحضارية و الاجتماعية، الخلط بين العسكر و الجيش، بل و تتعمد هذه المخاليق شخصنة الجيوش و ربطها بالقائد الذي بدونه يسقط الجيش و تزول الدولة و تتفكك الأمة، و هو تلويث رمزي يربط الدولة بالسلطة و بل بالشخص الواحد الذي يشبه الرب الواحد الذي لا تكتمل الوطنية إلا بعبادته و مبايعته و تجديد الولاء له آناء الليل و أطراف النهار.

تلويث رمزي آخر يربط اللغة و الهوية بالعرقية و العنصرية، فاللغة العربية هي لغة العرب و العروبة في مواجهة كل من ليس عربيا، كما أن الأمازيغية ليست إلا نزعة نشرتها فرنسا وهي صنيعة فرنسية، كما يقول الكثير ممن استفادوا من ريع السلطة و يعيش الكثير منهم في باريس، وهذا التلوث الرمزي غذاه متاجرون بالبعث السياسي، و متمزغون استخدموا الأمازيغية للحصول على موقع سياسي على الصعيد المحلي، رغم أن التاريخ يؤكد أن الأمازيغية و العروبة لم تطرح قديما بشكل عرقي، و بأن الكثير من المصنفات و حتى الدينية كتبت
بالأمازيغية ، كما أن الكثير من علماء اللغة العربية و قواعد النحو العربي هم من الأمازيغ الذين خدموا العربية و المقال و المقام لا يتسع لذكرهم.
تلويث رمزي آخر أنتجته "النخب" الحداثية التي تختصر الحداثة في الحرية الجنسية وفي كل الممارسات المتعلقة بالحريات الفردية، رغم أن الحداثة أوسع بكثير من ذلك، تماما مثلما يختصر المتدينون الاسلام في مجموعة من الشعائر الدينية و ينسون اصلا في الدين وهو فقه المعاملات، هذا الفقه الذي هو روح الدين بنص صريح من صاحب الرسالة، الذي عرف الاسلام في كلمة واحدة " الدين المعاملة".
التلويث الرمزي الآخر هو كلمة الوطنية، التي ربطها الكثير من المتشددقين بها بكراهية الآخر، الآخر المختلف عنا سياسبا و لغوبا وثقافيا ووو، و تحت ظلها تم اقصاء اجيالا من المناضلين و المناضلات و المثقفين و المثقفات، بل و في ظلها تم إيجاد البطانة الرمزية للإقصاء و العنف و الكراهية.
كل هذه الثنائيات المنتجة للتلويث الرمزي هي التي شكلت أرضية الفساد و الاستبداد و الاستعباد، و لذلك فإن أول الطريق للخروج من هذا النفق هو بناء تفاعلات رمزية تبني التوافق التاريخي الذي يحمي النسيج الاجتماعي، الذي عملت نخب الريع على تفكيكه و ضربه وهو اليوم، إذا لم يتم تجاوزه و بناء قطيعة ايبستمولوجية معه، قد يتحول إلى أحد مصادر تفجير كل توافق بين الجزائريين و الجزائريات لبناء الجزائر الجديدة، التي تعترف بالتنوع و التناغم و التعدد و ترفض سلطة الفرد الواحد و الفكر الواحد و التوجه الواحد، الذي لا يمكن إلا أن يعيد إنتاج منظومة الفساد و الاستبداد و الاستعباد. فالتحرير يبدأ بقطيعة ايبستمولوجية مع التلويث الرمزي مصدر تكسير التوافق و تفكيك النسيج الاجتماعي.

البروفيسور: رضوان بوجمعة
18 ماي 2019

 

Phone : 0773 18 43 09
E-mail : This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.

Atlas Times أطـلـس تـايمز

Journal Electronique Algerien, Edite par: EURL Atlas News Corp. R.C: 18B0071953-00-25