الجزائر: وجه قبيح و آخر حسن لاستفتاء الدستور

أظهرت نسبة المشاركة المتدنية في استفتاء أول نوفمبر  2020 لتعديل الدستور، وجها قبيحا و آخر حسنا، للاستشارة الشعبية التي قررها رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، الذي غاب عن موعد أول وعوده الانتخابية. 

الجزائر: ع. شابي

النسبة الضعيفة للمشاركة في استفتاء تعديل الدستور ستغري الكثيرين بالمسارعة لتبنيها، و القول أنها من صنع أيديهم، فجمهور المقاطعين يرون أنهم يمثلون أغلبية الشعب الجزائري، بما يقارب 76 بالمئة، حيث لم تتجاوز نسبة المشاركة المعلن عنها من طرف محمد شرفي رئيس السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات بعد ساعتين من غلق المكاتب 23.7 بالمئة.

لكن تلك الادعاءات صارت مألوفة في كل استحقاق انتخابي تعرفه الجزائر على مدى العشرين عاما الماضية، حتى صار بعض هواة السياسة التدثر وراء العزوف الكبير للناخبين عن التعاطي مع انتخابات معروفة النتائج سلفا، طريقتهم الوحيدة للاستمرار في الحديث.

الوجه القبيح الذي كشفت عنه عملية الاستفتاء على تعديل الدستور، يتمثل في أن الفعل السياسي بالطريقة و الوجوه الحالية، لا يزال غير جدير بثقة الناخبات و الناخبين، و لا يمكن بأي حال التذرع بالخوف من وباء كورونا للقول أن الوضعية الصحية التي تعرفها الجزائر- كبقية دول العالم- كانت وراء هروب الناس من مكاتب التصويت، و عدم استجابتهم للنداءات الملحة التي  أطلقتها السلطة و الأحزاب المؤيدة للتعديل الدستوري و حتى الرافضة له من جمهور الأسلاميين الذين دعوا للتصويت بقوة و بلا على مشروع التعديل، الذي غاب عنه صاحبه للمفارقة، بتواجد رئيس الجمهورية في المانيا للعلاج، و قد صوتت عنه زوجته بالوكالة و كان ظهورها على شاشات التلفزيون في غرة نوفمبر، حدثا لم تعرفه الجزائر منذ زمن حليمة زوجة الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد منتصف الثمانينات.

لماذا هو وجه قبيح يتساءل دعاة المقاطعة؟ لأن التعبير الأصوب عن الاتجاه السياسي يكون حتما و عاجلا أم آجلا من خلال صناديق الاقتراع، هذه من بديهيات السياسة، رغم كل الاختلافات و الجدل الدائر حول الظروف و الكيفيات التي تتم بها الاستشارات السياسية في كل مرة.

فرغم أن الجبهة الإسلامية للإنقاذ (الفيس اختصارا) لم تحصل في تشريعيات ديسمبر 1991 التي تم توقيف مسارها الانتخابي، لم تحصل على أغلبية أصوات الناخبين بالمنطق العددي و بمقارنة الأرقام، لكنها حصدت أغلبية مقاعد البرلمان الذي كان بغرفة واحدة وقتها، و صار منعها من الفوز فاتحة باب أمام أزمة سياسية كبيرة انتهت باستقالة رئيس الجمهورية الشاذلي بن جديد في 11 جانفي 1992 و دخلت البلاد لعدها في أزمة أمنية ، خلفت  الآلاف من الضحايا و حجما كبيرا من الدمار... و أضرار أخرى.

كما أنه لا يمكن اعتبار العزوف الكبير عن المشاركة في استشارة تعديل الدستور دليلا على وقوف أصحابه في صف المقاطعة، ربما فقط إذا استثنينا منطقة القبائل، التي تم فيها توقيف العملية الاستفتائية مع منتصف النهار، عقب تسجيل عمليات تخريب مست بعض مكاتب الانتخاب، و حتى هذا الأمر صار رغم خطورته مألوفا و متوقعا في تلك الجهة التي تملك تاريخا سياسيا مختلفا عن بقية مناطق الوطن، و تتجه لترسيخ استثنائها في ذلك الخصوص.

فعدم تحمس الغالبية من الناخبات و الناخبين المسجلين للمشاركة في استفتاء اول نوفمبر لتعديل الدستور كان بالأساس تماشيا مع التوجه العام للسلوك السياسي الذي عرفته الجزائر منذ 25 سن على الأقل، فلم تشهد البلاد مشاركة واسعة في الانتخابات منذ 16 أكتوبر 1995 و هي السنة التي تم فيها انتخاب اليامين زروال رئيسا للجمهورية، في عز الأزمة الأمنية و ردا على تهديدات الجماعات المسلحة وقتها بقطع رأس كل من ينتخب، فكان رد الشعب قويا رافضا لسقوط و انهيار الدولة.

بعد تلك الانتخابات بدأ معدل المشاركة في التناقص، بخلاف استفتاء المصالحة الوطنية الذي نظمه الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة و أراد أن يكون ردا سياسيا على انتخابه الأعرج رئيسا للبلاد في ظل الانسحاب المفاجىء لمنافسيه الستة، عشية رئاسيات 16 أفريل 1999.

و الواضح جليا هو ارتباط استفتاء المصالحة بانتخابات منتصف التسعينات التي جعلت اليامين زروال يستبدل صفة وزير الدفاع برئيس الجمهورية، من حيث كون موضوع العمليتين واحد و هو إنهاء الأزمة الأمنية و اقتتال الجزائريين فيما بينهم.

أما الوجه الحسن للاستفتاء على الدستور الجديد و الذي عرضه رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون فهو أن السلطة قاومت بشدة و بحكمة و دون الاهتمام بالآثار القريبة مغريات التزوير و نفخ الصناديق بعد غلق المكاتب، و هي عادة دأبت عليها مختلف الحكومات في السابق باعتراف مسؤولين كبار،  حيث كان المشرفون على تنظيم الانتخابات في السابق يحافظون على ماء الوجه الانتخابي بالرفع من نسب المشاركة، في سبيل منح شرعية مزيفة لمن يريدونه تصدر المشهد.

و هذه النقطة بالذات هي ما يحسب للفريق الحالي، الذي يريد الاستثمار في رصيد مصداقية ضئيل لكنه حقيقي، يجعل من سلامة العملية الانتخابية أول شروط دفع المواطنين إلى الوثوق بنتيجة الصندوق، و يتقبلونها مهما كانت، لأن النص القانوني الذي يحكم العملية لا يشترط بلوغ نسبة مشاركة معيينة لكي يصير الانتخاب أو الاستفتاء مقبولا و شرعيا، فالشرعية بمن حضر الآن على الأقل.

السلطة الجديدة في جزائر ما بعد بوتفليقة فتحت أمس الباب لشرعية انتخابية سيكون من الصعب التشكيك فيها، و هي التي ستفرز برلمانا جديدا، بعدما صار للجزائر دستور جديد، يسمح للأغلبية النيابية بتشكيل الحكومة، و لا شك أن المقاطعين لاستفتاء تعديل الدستور سيراجعون حساباتهم جيدا و بصورة عميقة حينما يتم الإعلان عن تنظيم انتخابات تشريعية، و هم يعلمون الآن أكثر من أي وقت مضى أن الغائبين عن الصناديق مخطئون دوما.

ع. شابي

Phone : 0773 18 43 09
E-mail : This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.

Atlas Times أطـلـس تـايمز

Journal Electronique Algerien

Edite par: EURL Atlas News Corp.

R.C: 18B0071953-00-25

Directeur de Redaction : Amor Chabbi

مدير التحرير : عمر شابي 

Adress:39;Rue Aouati Mostapha Constantine Algerie DZ Algeria