العلاقات الإنسانيّة و وسائل التّواصل الاجتماعي

تتّسم العلاقات الإنسانيّة داخل المجتمع الجزائري بغموض غريب، إذ لا يوجد تصوّر واضح مبنيّ على أسس معينة مثلما هو الحال في المجتمعات الغربيّة التي بُنيت علاقاتها الاجتماعيّة على دَمقرطة المجتمع ورسم رؤى واضحة لشبكة العلاقات. إنّ علاقة الرّجل بالمرأة في مجتمعنا، هي العلاقة الأكثر غرابة والأعنف في جوهرها وطبيعتها،وقد نجح المُجتمَع في الفصل المطلق بين الجنسين حتى أصبحت عقيدة او بالأحرى هي لبّ العلاقة بين المكوّنين لهذه الأمّة، كما لم نستطع أن نفتح نقاشا نحاول من خلاله فهم أنفسنا وطبيعة العلاقات الإنسانيّة التي تجمعنا.

بقلم: الراوي زين

إن العلاقة السّلطويّة بين الرّجل والمرأة تجعل من المجتمع خاضعا لجملة من التّصورات التي تنبع من تلك النّظرة القديمة، وهي تحاول دائما إغراق الأفراد في وحل حتميّة اتّباع الماضوية وجملة من التّقاليد التي تدعو في مُعظمها الى حصر الرّجل والمرأة في أدوار اجتماعيّة معيّنة وإلى بناء أسوار عالية تَحُول دون فتح نقاش شامل لتشخيص الحالة التي نعاني منها. ويبقى فتح هذا النقاش ضرورة في ظلّ التّغيّرات التي تطرأ حاليّا في أوساط الشّباب.

أصبحالإقبال الكبير على تكنولوجيّات الاتّصال -وعلى رأسها وسائل التّواصل الاجتماعيّ لدى جميع شرائح المجتمع وخاصّة فئة الشّباب-ظاهرة تحثّنا على دراسة هذا الميل نحو استعمال هذه التكنولوجيا الحديثة والأهمّ من كلّ هذا دراسة العلاقات داخل هذا الفضاء الالكتروني. لن يختلف اثنان على أنّ جل المستعملين لمواقع التواصل الاجتماعي يبحثون عن الجنس الآخر في حسابات فيسبوك المزينة بصور نساء مشهورات أو عارضات أزياء، وكذا الأمر نفسه بالنّسبة للرجال، لجذب الطّرف الآخر وبعث الفضول للتّعرّف على صاحب الصفحة. الكلّ مختبئ وراء هذه الصّور وتسميات أغلبها لا معنى محدّد لها، والكلّ يدردش ويتبادل أطراف الحديث في أمور تافهة وربّما كذلك يتبادلون عبارات الغزل والاعجاب.

في خضمّ كلّ هذا تنشأ علاقات افتراضية نابعة من الثقافة القبليّة الرّجعيّة، لكنّأضيف إليها نوع من الخصوصيّة وهي تأسيس الفصل بين الجنسين وترسيخ أفكار الذّكوريّة والأبويّة على نطاق أوسع. ربّما يظنّ بعض الأشخاص أنّوسائل التّواصل سمحت للمستعملين بالتّمتّع بنوع من الحريّة وهامش مناورة لكسر الحواجز التي تفصل كلا الجنسين، ولكن يبقى سؤال واحد يجدر بنا طرحه: هل مواقع التّواصل الاجتماعي ستغيّر ما لم يستطع المجتمع تغييره؟

لا يمكننا إنكار أن هذه الوسائل قد غيّرت نسبيّا في بعض المظاهر التي تتعلق بطبيعة العلاقات. فهي تتضمّن في داخلها أمورا لها علاقة بثقافة أخرى ونمط تفكيريّ مختلف.لقد سمحت العولمة بإدخال مفاهيم جديدة الى ثقافات منغلقة ومكتفية بذاتها وغير مستعدّة لفهم التّغيّر الذي يطرأ داخل العالم بأسره وداخلها أيضا.

و تتميّز مجتمعاتنا العربية بأنّها غير ناضجة وغير مستعدّة تماما لنسج علاقات بعيدة عن التّصوّرات الرّجعيّة وتثبت قطيعتها مع الماضويّة. هل يمكن لمفاهيم آتية من وراء البحار أن تغيّر جغرافيا المجتمع؟ هذا بالطّبع أمر مُستحيل وغير وارد البتّة. كلّ تغيير يجب أن يكون نابعا من عندنا، عن طريق فتح نقاش واسع وجديّ،حيث يسمح هذا الأخير بتشخيص الحالة التي يعاني منها المجتمع من عدم القدرة على التّواصل وتغليب العنف بدل الحوار.

إنّ دمقرطة العلاقات الاجتماعيّة داخل مجتمعنا أصبح أمرا ضروريّا، إذ نحن بحاجة الى ولادة جديدة لمجتمع يستمدّ قوّته وهيكلته وشخصيّته من نواةِ الفرد وحريّاته الشّخصيّة، فقوّة المجتمع تكمن في تكوين أفراد مستقلّين بأفكارهم وخصوصيّاتهم وطموحاتهم ونظرتهم للحياة. يكون هؤلاء قادرين على نسج علاقات إنسانيّة ديموقراطيّة بُنيت على أساس المساواة بين كلّ افراد المجتمع، كماتسمح هذه الأخيرة بالتعبير عن آراءنا وتفكيرنا النّابعين من استقلاليّة تامّة في الفهم والتّحليل لما يحدث من حولنا.

الراوي زين

Phone : 0773 18 43 09
E-mail : This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.

Atlas Times أطـلـس تـايمز

Journal Electronique Algerien, Edite par: EURL Atlas News Corp. R.C: 18B0071953-00-25