ثمن المواقف

مثلما لكل إنسان شخصيته و طباعه و خصائصه، للدول أيضا سياساتها و مواقفها و ثوابتها، و يدفع المرء و كذا المرأة، أحيانا ثمن مواقفهما و اختياراتهما لكنهما يجدان بعض الذين يلومونهما على ذلك، و يجعلان منهما السبب في ما يجنيانه من وراء مواقفهما، التي نبعت من خصالهما و ثقافتهما و كانت تعبيرا عن شخصيتهما.

الجزائر: عمر شابي

في عالم السياسة، يسود الموقف المتغير و تسود فكرة أن كل شيء ممكن في العلاقات بين الدول و حتى بين المكونات السياسية داخل الدولة الواحدة، و الثابت الوحيد حسب البعض هو التغيير، طبعا لأن الجمود علامة الموت، لكن ليس كل تغيير محمود و لا كل تبديل موقف علامة على الحصافة.

كسبت الجزائر بدبلوماسيتها و سياستها الخارجية منذ الأيام الأولى للاستقلال و حتى قبل دحر المستعمر الفرنسي، احتراما و إعجابا و تقديرا لا مثيل له في المحافل الدولية، و كان ذلك مدعاة فخر توج كفاح الشعب البسيط الأعزل بوسائله الخاصة في وجه الاحتلال، و رسمت الثورة الجزائرية بعظمتها و أسطوريتها ملامح جزائر الاستقلال، التي كان عليها الحفاظ على الوهج الثوري الساطع لماضيها القريب و الذي صنعت منه مواقفها تجاه القضايا العادلة في العالم، و نالت بفضله لقب "كعبة الثوار".

لكن الذين كانت تسوؤهم صورة الجزائر اللامعة في المحافل الدولية و صوتها المسموع بقوة و باحترام  و إجلال في المنتديات العالمية، و لا يجرؤون على إظهار تلك الأحاسيس، بقوا يتربصون ببلادنا الدوائر، و يتحينون الفرصة التي تضعف فيها شوكتها لتصفية حسابات قديمة، و إعادة رسم المواقف التي كانت الجزائر بصلابتها تمنع المساس بها، فصارت القضية المركزية للأمة العربية و الإسلامية محل مساومات مبتذلة في سوق التطبيع مع الكيان الصهيوني الغاصب للأرض و المنتهك للعرض و العابث بالشرف و المستأسد على البلدان المجاورة له، ينتهك سيادتها بكل صلافة، ليجد من يقبل على التودد له و المسارعة لإبرام اتفاقيات سلام مزعوم، بينما الشعب الفلسطيني يستغيث لاستعادة حقوقه التي اتخذتها الكثير من الأنظمة العربية سجلا تجاريا، و ساومت بها الأعداء.

هناك أيضا القضية الصحراوية، التي تصور البعض من دويلات الزمن الأخير أنه حان الوقت لتصفيتها متوهمين أن الجزائر صارت غير آبهة بالموضوع  و أن ما تعيشه من أوضاع سوف يلهيها عن الاهتمام بمسألة إنهاء الاحتلال الملكي المغربي للصحراء الغربية، التي هي آخر مستعمرة في أفريقيا، بشهادة المجتمع الدولي و هيئة الأمم المتحدة.

وزير الخارجية صبري بوقادوم في حضور أعضاء منظمة المؤتمر الإسلامي في عاصمة النيجر قبل أسبوع أكد مجددا أن الجزائر ترفض المساومة على القضية الفلسطينية، و أنها تقف مثلما كانت دوما في صف الشعب الفلسطيني إلى غاية استرداده كل حقوقه و على رأسها حقه في إقامته دولته المستقلة و عاصمتها القدس الشريف، و هي المواقف التي تبنتها الدول العربية في مبادرتها للسلام التي أطلقتها من بيروت قبل سنوات، لكنها تنكرت لها اليوم.

كذلك كانت القضية الصحراوية التي تآلفت قوى "الهرولة للتطبيع" لكي تجعل منها هدية للظالمين المحتلين الذين تراودهم أحلام توسعية في شمال أفريقيا، و سعت لتأييد الظالم بدل الوقوف في صف المظلوم، من ثوابت السياسة الخارجية الجزائرية، التي لا يساوم عليها أحد، بخلاف الشعب الصحراوي الوحيد صاحب الحق الأزلي في تقرير مصيره، و اختيار مستقبله، و اتضح في الأخير أن الذين خانوا القضية الفلسطينية هم أنفسهم من حرضوا نظام المخزن المغربي على محاولة فرض أمر واقع جديد في الصحراء الغربية، و تبين أن الهدف واحد و هو النيل من مواقف الجزائر التي كانت تزعجهم و ترفع عنهم غطاء التآمر مع الأعداء على حساب حقوق الشعوب و حرياتها و كرامتها.

يدفع الإنسان ثمنا لمواقفه عن طيب خاطر و برضى تام، لأن مواقفه هي التي تصنعه و لا يخالجه الندم حين يجد نفسه منسجما مع نفسه و شخصيته التي عرفه الناس بها، و لو تعرض لهزات أو عايش ظروفا غير مريحة، و سيكون حاله أسوأ لو تنكر لمواقفه و لماضيه أو نكص على عقبيه و ارتد غير الذي كان، حينها سيظهر جبانا خائنا، مخادعا خائفا غير واثق. كذلك الدول التي تقف في سياساتها على مبادىء ثابتة صلبة، لا يضيرها تحرش الذين لا يعرفون للحق وزنا و لا يقيمون للشرف و الكرامة اعتبارا، و هي تدرك أن من ورائهم من كانوا بالأمس مصاصي دماء الشعوب و مجرمي الحروب الاستعمارية بشكليها القديم و الجديد.

عمر شابي

مدير موقع "أطلس تايمز"   

Phone : 0773 18 43 09
E-mail : This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.

Atlas Times أطـلـس تـايمز

Journal Electronique Algerien

Edite par: EURL Atlas News Corp.

R.C: 18B0071953-00-25

Directeur de Redaction : Amor Chabbi

مدير التحرير : عمر شابي 

Adress:39;Rue Aouati Mostapha Constantine Algerie DZ Algeria