الاستهداف

بات واضحا أن الجزائر تواجه مخططا لتركيعها، ليس الأمر كلاما يطلق على عواهنه، للتخويف من الأيادي الخارجية، و لا لوكا لخطابات كلاسيكية تجعل العدو الخارجي وسيلة لبسط السيطرة على المعارضة و إسكات الأصوات التي لا تعزف اللحن المطلوب، الأمر هذه المرة جدي و يحتاج إلى الذكاء و الحكمة و الحنكة. 

الجزائر: عمر شابي

كان أحد رعاة الغنم يلهو مستغيثا كل مرة، من مداهمة الذئب لقطيعه، فيهرع بقية الرعاة لنجدته و حين يصلون يجدون أن الأمر كان خدعة، و أنه كان يريد فقط جلب انتباههم إليه، و في واحدة من المرات هاجمه الذئب حقيقة، فلما استغاث لم يجد من يغيثه، لأن الجميع اعتقد أن الأمر كسابق الحالات، و لم يشأ أحد أن يبذل جهده في ما لا طائل من ورائه. القصة معروفة في الحكايات الشعبية الجزائرية، ربما تختلف في بعض التفاصيل بين منطقة و أخرى، لكن جوهرها واحد. لقد واجه الراعي الذئب منفردا حين هاجمه فعلا.

ربما يريد البعض أن يسقط قصة الراعي و الذئب على حقيقة استهداف الجزائر من خلال إحاطتها بطوق من الأعداء و من الحروب الملتهبة على حدودها، آخرها و أخطرها حرب الصحراء الغربية المتجددة، و التي صار فيها الكيان الصهيوني لاعبا فاعلا، بدعوة من الملك المغربي الذي قايض سيادته المزعومة على الصحراء الغربية مقابل إقامة علاقات كاملة مع إسرائيل، و الشروع في تنسيق أمني معها، بل و الحصول على معدات و أسلحة حربية لم تكن تتوفر له، لولا ارتماءه في أحضان العدو الأول للأمتين العربية و الإسلامية.

يجد البعض من الذين بلغت بهم الوقاحة في محاولة استغباء الآخرين و التلاعب بعقولهم، أن الحديث عن الخطر الخارجي الذي يتهدد الجزائر، ليس سوى تخويفا للشعب، بينما يدركون في عمق تفكيرهم أن المسألة ليست هينة، و يذهب بهم الأمر حد اعتبار تواجد إسرائيل على حدودنا الغربية مسألة غير ذات شأن، و ربما كان لديهم إيحاء بأن ذلك سيجعل خططهم المقبلة لركوب الموجة الجديدة سهلة التنفيذ، و لو على حساب أمن وطنهم و مصلحة شعبهم و سيادته التي دفع ثمنها غاليا.

ظهرت أصوات الخيانة في المغرب حين صفق عملاء المخزن للتطبيع مع إسرائيل، مهللين و معتبرين أنه خطوة سترفع الضائقة الاقتصادية عن بلادهم التي تختنق بفعل سيطرة حلف مالي و عسكري بين الرباط و باريس و تل أبيب برعاية لوبي قوي حول الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته، بسبب نفقات تسليح ضخمة و مشاريع صناعات عسكرية عملاقة، لا تهتم القوى الكبرى بمصائر الشعوب في حساباتها.

لكن ليس كل المغاربة خائنون فقد تعالت بعض الأصوات الرافضة لما وصفته "خيانة" الملك و حاشيته للقضية الفلسطينية و هو الذي يرأس لجنة القدس، بينما حاول فصيل من الإسلاميين و من تنظيم الإخوان المسلمين تحديدا، و هم المتواجدون في الحكومة المغربية أن يبرر ما لا يبرر، و يلتمس الأعذار لقرار الملك، ملوحا بجني فائدة الاعتراف غير المعترف به بسيادة واهية على الصحراء الغربية التي جددت الأمم المتحدة التأكيد على بقائها تحمل صفة "قضية تصفية استعمار"، تحتاج بقوة إلى تطبيق لوائح الأمم المتحدة بخصوصها.

صار الشارع المغربي منقسما بين مؤيد و معارض، ولا يكاد صوت الرافضين للتطبيع يكون مسموعا، حيث يتعرض المعارضون لسياسات الملك و حكومته، يوميا في المملكة المغربية للقمع و الملاحقات البوليسية، لكن المؤيدين يحظون بالظهور الإعلامي الواسع في بلادهم و في قنوات الدول الراعية لصفقة بيع القضيتين الفلسطينية و الصحراوية.

 من هنا يبرز الخطر على حدودنا الغربية، لأن تلك القوى تستهدف كل أصوات الرفض في المنطقة، و قد اتخذت من المغرب منفذا للوصول إلى شمال أفريقيا، ليكون جزءا في مخطط الشرق الأوسط الجديد، الذي تتمتع فيه إسرائيل بعلاقات طبيعية مع جيرانها العرب، و الذين سوف تسيطر عليهم لاحقا بتفوقها العلمي و التكنولوجي.

يعلم مهندسو السياسات أن الجزائر لن تكون مطلقا في صف المهرولين للتطبيع، مثلما أكد رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، و بالتالي فهي ستكون العدو الذي ينبغي إضعافه و استنزافه و الضغط عليه بكل الطرق و بشتى الأساليب لكي يخفت صوته و يقل تأثيره، إذا استعصى إدخاله الحظيرة مثل غيره.

الحل يكمن في تقوية الجبهة الداخلية، فالجزائر قوية و لن تتزعزع مثلما جاء في الكلمة الأخيرة للرئيس عبد المجيد تبون، بل هي أقوى مما يتصور البعض، و هي تعلم أن ما حدث في المنطقة، كان منتظرا منذ فترة و تعلم أهدافه و مراميه، و هذا ما يجعلها على استعداد لمواجهته، كجزء من التصدي للأخطار المحدقة بأمنها القومي بمفهومه الشامل و الواسع. لكن بناء جبهة مقاومة داخلية صلبة و متينة و قادرة على رفع التحدي مرة أخرى من أرض جزائر الثائرين، يحتاج إلى بصيرة و تبصر و حصافة. بداية الطريق تكون بتحييد العدد القليل من الخونة، الذين جعلوا أنفسهم أدوات في يد قوى الهيمنة والاستعمار الجديد، و كشف مخططاتهم و منع سمومهم و فيروساتهم من الانتشار في جسد الأمة. فهم يعرفون أنفسهم و الشعب يعرفهم، و لن نواجه الذئاب منفردين.

عمر شابي

مدير موقع "أطلس تايمز" 

Phone : 0773 18 43 09
E-mail : This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.

Atlas Times أطـلـس تـايمز

Journal Electronique Algerien

Edite par: EURL Atlas News Corp.

R.C: 18B0071953-00-25

Directeur de Redaction : Amor Chabbi

مدير التحرير : عمر شابي 

Adress:39;Rue Aouati Mostapha Constantine Algerie DZ Algeria